السبت, 9 ربيع الأول 1448 هجريا, 22 أغسطس 2026 ميلاديا.
مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاه بحسب التوقيت المحلى لمدينة المدينة المنورة ليوم السبت, 9 ربيع الأول 1448هـ

الفجر
04:37 ص
الشروق
05:59 ص
الظهر
12:25 م
العصر
03:53 م
المغرب
06:50 م
العشاء
08:20 م
المشاهدات : 7081
التعليقات: 0

بعض الصفحات تؤلم… لكنها توقظك

بعض الصفحات تؤلم… لكنها توقظك
https://www.alshaamal.com/?p=317216
بقلم: حفصة العطاس

في بعض الأحيان، تحاول أن تغيّر شيئًا من طباعك؛ أن تصبح أكثر حذرًا، وأن تستمع أكثر مما تتحدث، وأن تتعلم أن ليس كل ما يصل إلى أذنك يجب أن يغادرها، وأن تتعامل مع الناس بما يظهر لك منهم، دون أن تنشغل بما تخفيه النوايا؛ فالنيات لا يعلمها إلا الله.

كثيرًا ما حاولت أن أصبح أكثر حكمة وذكاءً اجتماعيًا، وألا أثق سريعًا، وأن يكون حديثي محسوبًا. فقد كنت دائمًا تلك التي تتصدر المجالس بالحديث والضحك، وتحب أن تنشر شيئًا من البهجة أينما كانت.

ومع الأيام والتجارب، اكتشفت أن بعض الصفحات في حياتنا تؤلمنا… لكنها توقظنا.

بعد كل تجربة مؤلمة، نأخذ جرعة من الحذر، كما يأخذ المريض دواءه؛ نصمت أكثر، ونراقب أكثر، ونَعِد أنفسنا ألا نكرر الخطأ. ثم يمر الوقت، ويلتئم الجرح، فننسى تعليمات الطبيب والدواء، ونعود إلى طبيعتنا الأولى.

نثق من جديد، ونتحدث من جديد، ونوسّع الدائرة التي أقسمنا يومًا أن تبقى ضيقة.

حتى تأتي تجربة مختلفة، لا تكون بالضرورة الأقسى، لكنها تكون كافية لتوقظ فينا شيئًا كان يحتاج إلى أن يستيقظ.

عندها ندرك أن الدرس لم يكن أن نتغير حتى نصبح أشخاصًا لا يشبهوننا، بل أن نبقى كما نحن… ولكن بحدود.

تعلمت أن العلاقات لا تُقاس بطول المدة، ولا بعدد السنوات، بل بالثبات والثقة والمواقف. ففي محطات الحياة يأتي أشخاص ويغادر آخرون، ولا مقعد يبقى لأحد إلى الأبد.

وهكذا هي الحياة العملية أيضًا؛ اليوم تجلس في هذا المكتب، وغدًا قد تنتقل إلى مكتب آخر، أو إلى مكانة أكبر، وربما تغادر المكان كله. المناصب تتغير، والمكاتب تتبدل، والأسماء تتعاقب، لكن الذي يبقى حقًا هو أثرك؛ حسن تعاملك، وأخلاقك، والسيرة التي تركتها خلفك.

وتعلمت أن بيئة العمل لا تعني أن نغلق أبواب الصداقة؛ فقد تمنحنا الحياة فيها صداقات صادقة وجميلة، لكنها تعلمنا أن الزمالة شيء، والصداقة شيء آخر، والثقة لا يمنحها طول الجلسات ولا كثرة الأحاديث، بل تثبتها المواقف.

ومن أثمن ما تعلمته:

ليس كل ما نسمعه يُقال.

فبعض المجالس تبدأ بضحكة… وتنتهي بحِمل.

حديث يجر حديثًا، وكلمة تفتح بابًا لكلمة، حتى تجد نفسك قد خضت فيما كان الأولى بك أن تصمت عنه. والأشد خطورة أن يألف الإنسان ذلك، فيراه حديثًا عابرًا، أو مزاحًا، أو شيئًا يفعله الجميع، فينسى أن للكلمة وزنًا، وأنها متى خرجت من فمه لم تعد ملكه.

وقد قال النبي ﷺ: «مَن يَضْمَن لي ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رِجْلَيْهِ أَضْمَن له الجنة».

وهنا كانت الوقفة التي احتجتها مع نفسي:

قبل أن تتحدثي… توقفي.

ليس كل ما تعرفينه يُقال، وليس كل ما تسمعينه يُنقل، وليس كل مجلس يستحق أن تضعي فيه شيئًا من دينك وراحة قلبك.

وأحيانًا يكون أجمل ما تفعله أن تأتي إلى عملك، تؤدي واجبك بإخلاص، وتنجز ما عليك، ثم تعود إلى بيتك بقلب خفيف، ولسانٍ لم يحمل غيبةً، ولم يخض في عِرض أحد، ولم ينقل بهتانًا أو كذبًا عن أحد.

وتعلمت أيضًا ألا أحمل خصومات الآخرين.

فليس كل من اختلف معه من نحب يصبح عدوًا لنا، وليس كل رواية نسمعها تمنحنا الحق في تغيير معاملتنا لإنسان لم نرَ منه سوءًا.

فالعدل أن نتعامل مع الناس بما ظهر لنا منهم، لا بما قيل لنا عنهم؛ وأن نترك لكل علاقة مساحتها، ولكل خلاف أصحابه. فلا نحمل خصومات غيرنا، ولا نبني موقفنا من إنسان على قصة سمعناها من طرف واحد.

فكم من علاقة أفسدها كلام منقول، وكم من إنسان ظلمناه لأننا رأيناه بعيون غيرنا قبل أن نراه بأعيننا.

والنضج ليس أن تكون وفيًا لأصدقائك في خصوماتهم، بل أن تكون عادلًا حتى مع من لا يحبونه.

ومن أقسى ما قد يفعله موقف واحد أنه لا يغيّر نظرة شخص إليك فحسب، بل قد يصل صداه إلى أناس عرفوك طويلًا، واحترموك، وقدّروك، ورأوا منك الكثير؛ فتجد نفسك فجأة تُختصر في رواية لم تحكِ قصتك كاملة، وفي موقف واحد لم يكن يومًا تعريفًا كاملًا لك.

وهنا تعلمت شيئًا ربما كان مؤلمًا، لكنه مريح في الوقت نفسه:

صورتك في أعين الناس ليست دائمًا تحت سيطرتك.

ومهما حاولت أن تشرح نفسك، سيبقى لكل إنسان ما وصله، وما فهمه، وما اختار أن يصدقه.

فلا تُرهق نفسك بمحاولة تصحيح صورتك عند الجميع.

يكفيك أن الله يعلم حقيقتك، وأن تعرف أنت أين أخطأت فتصلح خطأك، وأين ظُلمت فلا تحمل الظلم في قلبك، وأن تجعل ما حدث درسًا يصلح القادم منك، لا حكمًا يهدم كل ما مضى.

وهنا لا يعني التعلم أن نحمل أنفسنا ما لم نقله أو نفعله، ولا أن ننسب إلى أنفسنا بداية حكاية لم تبدأ منا. لكنه يعني أن نكون صادقين مع أنفسنا؛ نتحمل مسؤولية كلمتنا، ونتعلم من الجزء الذي كان لنا، ونترك ما عداه لأصحابه.

فالإنصاف مع النفس أيضًا أن تقول: هذا ما أخطأت فيه فأصلحه، وهذا ما لم أفعله فلا أحمله.

لقد أدركت أن الإنسان قد يتلقى في حياته صفعات كثيرة ولا يتعلم، ثم تأتي صفعة واحدة توقظه. ليس لأنها الأقسى، بل لأنها جاءت في الوقت الذي أصبح فيه مستعدًا للفهم.

وعندها تبدأ في شراء راحة قلبك؛ ليس بالهروب، ولا بالضعف، وإنما بالوعي.

فتفهم أن ليس كل موقف يستحق ردًا، وليس كل حديث يستحق أن تخوض فيه، وليس كل شخص يستحق أن يعرف تفاصيلك، وليست كل معركة تستحق أن تدفع ثمنها من صحتك وراحة قلبك.

فالتجاوز ليس دائمًا ضعفًا، والصمت ليس دائمًا عجزًا، والانسحاب من بعض الأحاديث ليس هزيمة.

أحيانًا يكون كل ذلك نجاة.

ولعل أجمل ما خرجت به من هذه التجربة أنني لا أريدها أن تغيّر أجمل ما فيّ.

لا أريد تجربة سيئة أن تجعلني أسيء الظن بالجميع، ولا موقفًا واحدًا أن يجعلني أغلق أبوابي في وجه كل علاقة قادمة.

أريد أن أبقى كما أنا…

لكن أكثر وعيًا.

أكثر حذرًا في كلماتي.

أبطأ في منح الثقة.

وأشد حرصًا على ألا أقول عن أحد ما لا أرضى أن يُقال عني.

فالطيبة لا تحتاج أن نتخلى عنها، بل أن نحميها بالحدود. والثقة لا تحتاج أن نقتلها، بل أن نمنحها لمن تثبته المواقف. والحديث لا يحتاج أن نهجره، بل أن نتذكر قبل أن ننطق أن للكلمة أثرًا قد يبقى طويلًا بعد أن ننسى أننا قلناها.

وأكتب هذه الكلمات لنفسي قبل أن أكتبها لغيري؛ حتى إذا مر الوقت، والتأم أثر التجربة، وبدأت حدودي تتسع من جديد، عدت إليها وقلت لنفسي:

توقفي… لقد مررتِ من هنا من قبل، وتعلمتِ.

وأكتبها لكل من يعود إلى مدرسته، أو جامعته، أو يبدأ بيئة جديدة: كن لطيفًا، وكن بشوشًا، وأحسن إلى من حولك، لكن احفظ لسانك، واحفظ حدودك، ولا تجعل الألفة تُسقط عنك الحذر.

ليس كل من شاركك مجلسًا أصبح موضعًا لأسرارك، وليس كل ما سمعته أصبح من حقك أن ترويه.

اذهب إلى عملك بنية أن ترضي الله قبل أن ترضي الناس؛ أن تنجز عملك بإخلاص، وأن تترك أثرًا حسنًا، ثم تعود إلى بيتك وليس في ذمتك كلمة جرحت أحدًا، أو غيبة خضت فيها، أو رواية أسهمت في انتشارها.

فربما يكون أعظم نجاح تحققه في يومك ليس فقط ما أنجزته بيديك، بل ما استطعت أن تحفظ لسانك وقلبك عن الخوض فيه.

هذا المقال ليس وصية أكتبها للآخرين بقدر ما هو عهد أكتبه لنفسي:

أن أبقى كما أنا، لكن بوعي أكبر.

أن أحفظ طيبتي دون أن أهدر حدودي.

وأن أتذكر كلما أغرتني الألفة بأن أعود إلى سابق عهدي:

ليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُعرف يُنقل.

وإن نسيت يومًا، سأعود إلى هذه الصفحة وأقرأها من جديد.

فبعض الصفحات تؤلم…

لكنها كُتبت في حياتنا لكي توقظنا

التعليقات (٠) أضف تعليق

أضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>