إن الباحث في النقوش والحضارات والجيولوجيا وجغرافية الأرض وعلم المستحاثات (الأحافير)؛ لا ينبغي أن يجزم بعمر نقش أو موقع أثري بمجرد رقم واحد، وإنما يذكر العمر التقديري، ونطاق الخطأ، وطريقة التأريخ، ودرجة الثقة، وبعض المتخصصين في التأريخ الجيولوجي يفضلون مصطلح العمر العددي أو التقدير العمري بدلاً من “التاريخ المطلق”، وفي مقالي هذا سأتحرى الوسطية – ما استطعت إليها سبيلاً – في “المجازفات الرقمية” التي نسمعها ونشاهدها ونقرؤها عبر قنوات الاستكشاف ، إذ أنها تحتاج إلى ضبط علمي شديد حتى لا يتحول نقد “المجازفة التاريخية” نفسه إلى مجازفة مضادة.
فمن الأمانة العلمية أن نقول إن أعمار الديناصورات أو الصخور التي تقدر بملايين السنين مستحيلة، فالعظام تتحلل مع مرور الأحقاب، خلقت من تراب وتعود إلى التراب “From dust to dust” إلا أن تحتضن العظمَ أحفورة، فحينئذ تستبدل المعادنُ مكوناته تدريجياً ، حتى يصبح الأثر أحفورة معدنية/صخرية.
هناك فرق كبير بين أن يروي الباحثُ التاريخَ ، وبين أن يصنع له تاريخاً من عنده، وبين أن يقرأ الشواهدَ قراءةَ علمية متأنية، ثم يضعها في موضعها الصحيح من الاحتمال والترجيح.
ولعل من أكثر المسائل التي تستحق الوقوف عندها في الكتابات التاريخية والأثرية المعاصرة، تلك الأرقام الكبيرة التي تتردد أحياناً وكأنها حقائق نهائية لا تقبل النقاش! فمثلاً : هذا النقش عمره خمسة ملايين سنة، وتلك الحضارة عمرها عشرة آلاف سنة، وهذا المسكن يعود إلى مئة ألف عام، وهذه العظام إلى ملايين السنين، وهذه الأرض التي نعيش عليها عمرها أربعة مليارات ونصف المليار سنة .. ثم يمضي القارئ أمام هذه الأرقام وكأنها تواريخ مكتوبة على لوحٍ محفوظ لا يحتمل الخطأ أو المراجعة.
وهنا تبرز قضية أراها جديرة بالتأمل: متى يكون التاريخ علماً، ومتى يتحول إلى مجازفة؟
ليس الاعتراض على استخدام الأرقام في دراسة التاريخ والآثار، فالأرقام ضرورة من ضرورات البحث العلمي، وإنما الاعتراض على تحويل الرقم التقديري إلى حقيقة قطعية، فعندما يقول الباحث: “يرجح أن يعود هذا الأثر إلى الفترة بين كذا وكذا”، فإنه يمارس البحث العلمي في صورته الصحيحة؛ لأنه يترك مساحة للاحتمال والخطأ والمراجعة، بانياً على الاحتمال والظنية.
أما أن يقول: “هذا الأثر عمره سبعة آلاف وثلاثمائة سنة” دون أن يبين طريقة التأريخ، ومادة العينة، ونطاق الخطأ، ومدى ارتباط العينة بالأثر نفسه، فإن الرقم قد يبدو أكثر جرأة مما تشير إليه الأدلة، فحتى مؤسسة علمية مثل هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تميز بين ما تقيسه طريقة التأريخ فعلاً وبين التفسير الجيولوجي للعمر الناتج.
ومن هنا فإن العبارة الأكثر انضباطاً ليست دائماً أن يقال: “عمر هذا الأثر أربعة آلاف عام” وإنما: “تشير نتائج التأريخ المتاحة إلى أنه يرجع – على الأرجح – إلى فترة تقارب أربعة آلاف سنة، ضمن نطاق تقديري تحدده طريقة التأريخ”.
والفرق بين العبارتين هو الفرق بين العلم الذي يعرف حدود معرفته، والعلم الذي يتكلم بلسان اليقين فيما لا يملك فيه يقيناً مطلقاً، فنحن لا نملك آلة زمن تعيدنا إلى الماضي، ولا شاهداً عاش آلاف السنين الماضية ثم جاء ليخبرنا بما رأى، وإنما نقرأ البقايا والشواهد والنصوص المخطوطة والطبقات والعمارة والآثار، ونقارن بينها، ثم نخرج بنتائج تتفاوت درجات قوتها، ولهذا كان المؤرخ الحقيقي حذراً في ألفاظه .. “يروى” ، “يقال”، “يرجح”، “يحتمل”، “تشير المصادر”، “بحسب ما وصل إلينا”، “يقدر الباحثون”، “تتراوح”، كلها علامات نزاهة علمية.
وقد عرف المؤرخون المسلمون قديماً قيمة التثبت في الرواية، ولم يكن ورود خبر في كتابٍ كافياً لإثباته، بل نشأت علوم كاملة لفحص الرواية والإسناد والمتن والرجال والقرائن، حتى قال عبدالله بن المبارك : “الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء”، فالمشكلة لا تخص الآثار القديمة وحدها، فحتى بعض الأحداث في التاريخ العربي والإسلامي المبكر خضعت للنقد والمراجعة من قبل الباحثين.
وماذا عن المستشرقين؟
لا ينبغي أن نستدعي المستشرقين لأن كلمة “مستشرق” تمنح المقال قوة علمية؛ وإنما نستفيد من بعض أعمالهم باعتبارها شاهداً على أن النقد التاريخي نفسه قائم على مراجعة الروايات وإعادة فحصها.
والدرس الذي يعنينا هنا ليس أن المستشرقين مخطئون، ولا أن المستشرقين مصيبون دائماً، وإنما الدرس الأهم هو: أن الأطروحات العلمية الكبرى ليست فوق النقد والمراجعة، باستثناء الذي “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه” ، “وإنا له لحافظون”، فإذا كان هذا ممكناً في التشريع ودراسة الأحكام والنصوص والروايات، فهو أولى بأن يكون حاضراً في دراسة الآثار التي لا تتكلم بلسانها.
وهكذا نرى أن المعرفة التاريخية تتغير وتتطور بتغير الأدلة والمناهج، ولكن.. هل كل ملايين السنين تخمين وظن؟ إن كل ما قيل عن الأرقام الزمنية المليونية لا أساس له من الصحة يقيناً .. فالعلم الجيولوجي الحديث يعتمد على العظام وجذوع الأشجار وحلقات الصدفات لإثبات العمر، وقد أشارت هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية إلى أن أعمار بعض الصخور القديمة أعيد قياسها بطرق إشعاعية متعددة، وأن توافق النتائج بين الطرق المختلفة أحد أسباب الثقة العلمية بها، إذن علينا أن لا نجزم بأن ملايين السنين صحيحة، ولا يجوز أن نثبتها كحقيقة قطعية لا تحتمل الخطأ.. الكارثة حين يتحول الاحتمال إلى عقيدة، والظن إلى يقين، وهذا أخطر ما في المجازفة التاريخية (الثقة الزائدة في الرقم) .
فحين يقال عن نقش على صخرة إنه يعود إلى ثمانية آلاف سنة، ثم يأتي باحث آخر بعد سنوات فيعدل التاريخ إلى ستة آلاف، ثم تأتي دراسة ثالثة فتربطه بطبقة زمنية أخرى، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن العلم انهار، بل يعني أن المعرفة تتقدم بالمراجعة، والعلم الحقيقي لا يخشى المراجعة، فليس من الأمانة العلمية أن نحذف الشك من النتيجة لكي تبدو أكثر إثارة، فإن عبارة: “يقدر عمر الأثر بين خمسة آلاف وستة آلاف سنة” أكثر أمانة من عبارة: “هذا عمره خمسة آلاف وخمسمائة سنة بالضبط”. فلا يصح تزوير التاريخ باسم التاريخ، وليس إذا جعلنا الحضارة أقدم جعلناها أعظم، وليست قيمة الإنسان في أن نقول إن آثاره تعود إلى عشرة آلاف سنة بدلاً من ثلاثة آلاف.
إن قيمة الحضارات فيما خلفته من علم وفكر وعمران وأخلاق وفنون ونظم اجتماعية، لا في عدد الأصفار التي نضعها خلف عمرها.
ولذلك فإنني أرى أن الباحث في التاريخ والآثار ينبغي أن يتحلى بفضيلة نادرة: “التواضع أمام المجهول” .. فما لا نعرفه لا ينبغي أن نخترع له يقيناً، وما يروى في المصادر لا يصح أن يتحول بتكراره إلى حقيقة تاريخية ثابتة، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب التاريخ أن نملأ الصفحات المجهولة بيقين زائف.
ومن هنا فإن الدعوة ليست إلى هدم علم الآثار، ولا إلى إنكار كل ما توصل إليه الجيولوجيون، وإنما إلى شيء أبسط وأعمق: أن نعيد لكل نتيجة حجمها الحقيقي من اليقين.. فالتاريخ أمانة.. والرقم أمانة.. والباحث مؤتمن، وهنا فقط يتحول التاريخ من رواية تتناقلها الألسنة بألسن مختلفة إلى علم يحترم الحقيقة.
بقلم الكاتب / أحمد القاري








