كم من مرة شعرت بأن الحياة حرمتك شيئًا كنت تتوق إليه؟ كم مرة بدا لك أن العالم يغلق أبوابه في وجهك، وأن رغباتك وأحلامك تتكسّر أمام “لا” صامتة؟
في تلك اللحظات، قد يظن القلب أنه خسر، وأن الحياة قاسية، وأن العدالة غائبة.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فالحياة أحيانًا تمنعنا، ليس لتؤلمنا، بل لتعلّمنا. تمنعنا لنفتح أعيننا على أشياء لم نكن لنرى قيمتها لولا ذلك المنع. تمنعنا لتجدّد في داخلنا القدرة على الصبر، لتتعلم الروح الصمت الجميل، لتستمع لنفسك قبل أن تتعلق بكل شيء حولك.
في بعض المنع، عطاء. نعم… عطاء.
فهو يحررنا من تعلقنا بما قد يجرحنا، أو يضيع وقتنا، أو يبعدنا عن طريقنا الحقيقي. ففي المنع، يظهر الأفق الأوسع، وتتكشف لنا دروس لم نكن لننتبه لها لولا تلك اللحظات الصامتة. المنع يعلمنا أن نعيد النظر في أولوياتنا، أن نميز بين ما نريد وما نحتاج، وأن نفهم أن القيمة ليست في ما نحصل عليه، بل في ما نصبر عليه ونعيه ونتعلم منه.
كم من نافذة أُغلقت أمامنا، لنكتشف بعد سنوات أن وراء هذا الإغلاق بابًا آخر أوسع وأجمل، لم يكن في ذهننا ولا في أحلامنا.
وكم من حلم تأجل، ليأتينا في شكل أجمل وأعمق مما تخيلنا. المنع ليس حرمانًا، بل هدية خفية، هدية للحكمة، هدية للنمو، هدية لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل قبل الخارج.
وكم من مرة شعرنا بالألم لأننا لم نمتلك شيئًا، لنكتشف لاحقًا أن الحرمان كان رحمة لنا، وفرصة لنا لنعرف قيمتنا الحقيقية، لنحمي أنفسنا من خيبات كانت ستجرحنا بشدة، أو لتتهيأ لنا لحظات سعادة لم نكن لننعم بها لولا تلك المسافة التي فرضتها الحياة بيننا وبين رغبتنا.
حين تتعلم أن ترى المنع بعين العطاء، يصبح كل “لا” رسالة من الحياة: رسالة لتفكر، لتتأمل، لتكبر، لتعرف أن ما يُغلق اليوم أمامك قد يفتح غدًا بطريقة لم تحلم بها، وبمعنى أعمق وأرقى. المنع هو أحيانًا أرقى أنواع الهدايا، هدية للروح قبل الجسد، للوعي قبل الرغبة، للنفس قبل الظروف.
فلنحتضن المنع كما نحتضن الغيم حين يمطر، كونه يحمل لنا الحياة، ولو لم نره على الفور. ففي بعض المنع عطاء، وفي بعض الصمت دروس، وفي بعض الانتظار نور ينتظرنا لنكتشفه في الوقت المناسب. فليطمئن قلبك: ما تُحرم منه اليوم، ربما يكون الطريق إلى أعظم هدية لك غدًا.
بقلم/ الأستاذة شريفه المالكي







