من أجمل ما في الزمان الذكريات الطيبة الخالدة التي لا يمحوها مرور الأيام وتعاقب الشهور ومضي الأعوام، والتي تكون عقوداً من الزمن وقروناً من الدهر شاهدة ومشهودة، ماضية وحاضرة وقادمة مخلدة؛ فالماضي التليد شاهد على الحاضر المجيد، كيف لا والماضي البعيد امتداده فجر جديد وحدث سعيد وواقع أكيد في جبين شبه الجزيرة العربية، نجدها وحجازها وساحلها الشرقي وشمالها وجنوبها، بسهولها وجبالها، رمالها وبحارها، وديانها وشعابها، أحجارها وأشجارها، بحارها وآبارها.
وبمكونات شعبها العربي المسلم وأطيافه، الذي كان قبل هذا الزمن المشهود في حالة يرثى لها في كل أحواله؛ في الدين الذي دخلت فيه الشركيات والمخالفات الشرعية، وفي العلم الذي لا يكاد يذكر له أثر، وفي الاقتصاد الذي تقطعت أوصاله وأصبحت الفاقة هي المسيطرة في الغالب، وفي الحياة السياسية التي انعدمت إلا في بعض الإمارات التي تعيش في ضائقة مالية وأمنية وتتحكم بها جهات خارجية أجبرتها على التبعية للحاجة الملحة التي يتطلبها البقاء، وفي العلاقات الاجتماعية التي تتزعمها القبائل المتناثرة في مختلف أنحاء الجزيرة وحسب مصالحها الرعوية والمعيشية، وفيها يكون للقوي اليد الطولى على الآخرين.
هذا -باختصار شديد- الحال السائد في ماضي هذه البقعة من أرض الله تعالى، حتى شاء الله تعالى ومشيئته نافذة بتيسير وتقدير ذلك الحدث التاريخي الإسلامي السياسي الذي ولد من رحم المعاناة المشار إليها آنفاً، عندما تأسست إمارة الدرعية في صحاري نجد على يد الإمام محمد بن سعود -رحمه الله تعالى وجزاه خير ما يجزي به عباده الصالحين- عن هذه الأمة التي أخرجها بإذن الله تعالى من حالة البؤس والشقاء والضياع إلى العزة والكرامة والمنعة.
اتفق ذلك مع عام 1139 للهجرة، والذي بحق هو عام التأسيس لهذا الكيان العظيم: “المملكة العربية السعودية”.
جاء بعده حدث آخر لا يقل أهمية عنه، زاد الخير خيراً وعزز المسير إلى أجمل مصير، وأعني بذلك الاتفاق الشهير الذي تم في بلدة الدرعية (نواة الدولة الفتية) بين الإمام محمد بن سعود والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله تعالى- والذي هدفه الأسمى قيام كيان سياسي إسلامي كبير مستقل بذاته، يعيد الناس إلى الدين الصحيح، ويقضي على الشركيات والانحراف العقائدي والجهل السائد، ويوجد حياة كريمة للناس في مجتمع مسلم مترابط متماسك في وقتٍ اهترأت فيه الدولة العثمانية التي كانت تحكم بعض النواحي في الجزيرة العربية حكماً افتراضياً عن بعد، أو حكماً بالوكالة بدعمها لحكام بعض المدن والقرى والهجر دعماً مادياً لا يكاد يفي بالاحتياجات الضرورية، وهدفها المحافظة على الولاء للدولة التي تحاول البقاء في ظل ضعف واضح هددها بالزوال، وهو ما حدث بالفعل بعد فترة طويلة من المعاناة والتشبث بحكم العالم الإسلامي بما بقي لها من أدوات.
وقد وفق الله تعالى وتم الاتفاق وكتب الله له النجاح لصلاح النية ونبل المقصد ووضوح الهدف وسلامة المنهج، والذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى بزعامة المؤسس الأول الإمام محمد بن سعود، أول حكام هذه الأسرة المباركة، أسرة آل سعود، التي أنقذ الله بها البلاد والعباد من الضياع السياسي، والانهيار الاقتصادي، والانحراف الديني، والتشرذم المجتمعي، والتناحر القبلي؛ فقد ضمت هذه الدولة الناشئة جميع كيانات ومكونات المجتمع على مختلف مستوياتها وتوجهاتها في الجزيرة العربية التي انضوت تحت لواء واحد رفعه الإمام محمد بن سعود، يؤازره الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، فكان هذا يوم التأسيس المجيد لهذه الدولة السنية المباركة، والذي يوافق في بدايته عام 1139 هجرية، ويوافق يومه وشهره الهجري يوم 22 فبراير بالشهر الميلادي، ومضى عليه ما يربو على ثلاثمائة عام في عمر مديد مدى الدهر بإذن الله تعالى.
فكيف لا يخلد ذلك اليوم بذكرى سنوية تذكّر بالأمجاد الخالدة وتخلد الإرث التاريخي المجيد وتربط الحاضر بالماضي؟ وكلاهما حاضر تخلله انقطاعات قسرية لم تلبث أن زالت، حيث تلت الدولة السعودية الأولى الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبد الله الذي استعاد أملاك الدولة السعودية الأولى، واستمر المجد بعد التغلب على كل الظروف المحيطة، ووصل الكيان إلى المكانة اللائقة، إلى السعودية العظمى: “المملكة العربية السعودية”، والتي أسسها المؤسس العظيم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل الذي استعاد ملك الآباء والأجداد، حيث أسس وبنى وأحكم البنيان بتوفيق الله تعالى، ومضى أبناؤه الملوك على خطاه.
وفي هذا العهد الذي تنعم فيه المملكة بقيادة حكيمة رشيدة من عباقرة أسرة آل سعود الكريمة، في عهد ميمون لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، تبوأت مكانتها المرموقة قائدةً للعروبة ومهوى لأفئدة المسلمين، وعامرةً للحرمين الشريفين وبيوت الله في كل أرجائها وفي معظم أنحاء العالم، وقبلةً لرواد السياسة، وصرحاً اقتصادياً مؤثراً في اقتصاديات العالم، ومنارة علم مشعة، وتطوراً حضارياً ومجتمعياً متقناً يشيد به القريب والبعيد وتحتذي به دول كثيرة من دول العالم. ولا يزال العمل دؤوباً، والخير صبوباً وغير نضوب، وللمجد بقية بعون الله تعالى وتوفيقه.
هذه هي المملكة العربية السعودية، اللهم احفظها بحفظك، واكلأها بعنايتك ورعايتك، وقادتها وشعبها وأرضها ومقدساتها ومقدراتها وحدودها وجنودها من كل شر وضر، إنك سبحانك ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.







