في رحاب البيت العتيق، حيث تنصت القلوب لترانيم الهدى وتخفت على عتباته جلبة الدنيا، يرتفع صوتٌ مألوف ارتبط في ذاكرة كثير من المسلمين بالمنبر والخطابة في المسجد الحرام. إنه ليس مجرد نبرة جهورية تخترق الأثير عبر المآذن والمذياع بل صوت يحمل في حضوره وقار المكان، وسكينة الإيمان وخصوصية المقام
إنه صوت معالي الشيخ صالح بن حميد
وحين يعتلي معاليه منبر الحرم المكي الشريف تتجه الأنظار إلى الكلمة، ويخفت ما حولها من أصوات ويبدأ تدفق البيان الذي يجمع بين عمق الشريعة ورقة الأدب، في مشهد تمتزج فيه عراقة المكان بجلال الكلمة ونور التوجيه وهو منبر تحظى به هذه البقاع المقدسة بعناية ورعاية من الدولة استشعارًا لشرف خدمة الحرمين الشريفين والعناية برسالتهما.
إن الخطابة عند الشيخ صالح بن حميد ليست مجرد كلمات تُلقى أو حماسة عابرة بل هي ممارسة دعوية تقوم على التذكير والتوجيه واستحضار المعاني الإيمانية والتربوية. يمتاز أسلوبه بالسهل الممتنع فلا هو بالمعقد الذي ينفر منه العامة ولا بالمبتذل الذي يفقد النص قيمته لدى الخاصة. إن صياغته اللغوية تشبه النحت في صخر الفصاحة العربية الأصيلة حيث يختار ألفاظه بعناية لتناسب جلال المكان والزمان.
وتراه يتنقل بين آيات التنزيل وأحاديث المصطفى بيسر وسلاسة مستفيدًا من نصوص الوحيين في بناء الفكرة وتأكيد المعنى
ومخاطبًا عقل المثقف المفكر وعاطفة العامي البسيط في آن واحد، بما يجعل الموعظة مساحة للتأمل والتربية وبناء الوعي.
وأجمل ما في خطب الشيخ تلك العاطفة الصادقة التي تظهر في نبراته ووقفاته بعيدًا عن التكلف والاستعراض.
فهي خطابة يمتزج فيها الوعظ بالتأثر وحرص المصلح بإخلاص العالم.
وقد شهدت بعض خطبه مواقف غلب فيها التأثر على نبرته ولا سيما عند تناول المعاني الإيمانية والمواقف التي تستدعي الخشوع واستحضار عظمة المقام.
وتأتي تلك اللحظات العفوية لتمنح الخطبة بعدًا وجدانيًا وتقرّب معانيها إلى النفوس وتؤكد أن الكلمة حين تخرج من وجدان صاحبها تكون أكثر قدرة على ملامسة الوجدان.
ولم يكن منبر الشيخ بعيدًا عن واقع الناس أو منغلقًا في حدود الماضي، بل تناول في خطبه عددًا من القضايا التي تمس حياة المجتمع برؤية فقهية وتربوية تحاول الجمع بين أصالة المرجعية الشرعية وفهم متغيرات العصر. يناقش معاليه قضايا الشباب وتحديات الأسرة ومسؤولية البناء الأخلاقي
وقضايا الأمن الفكري وحماية العقول
من خلال خطاب يدعو إلى الاعتدال والوسطية وينأى عن الغلو والجفاء.
ويضع التوجيه الشرعي في سياق واقعي قريب من احتياجات الناس مستندًا إلى قيم الإسلام ومقاصده في الإصلاح والتقويم بما يمنح خطبه مساحة للتأمل في القضايا الدينية والاجتماعية والأخلاقية.
ومن هنا تبدو قيمة الخطاب المنبري حين يتجاوز حدود الموعظة العابرة إلى معالجة المعنى وربطه بالسلوك والحياة. فالخطيب في مثل هذا المقام لا يؤدي دورًا وعظيًا فحسب بل يتحمل مسؤولية الكلمة وأثرها ويحتاج إلى الموازنة بين قوة الدليل، ووضوح العبارة وحسن مخاطبة الناس
وهي مسؤولية تزداد أهمية في المسجد الحرام حيث يصل الخطاب إلى جمهور واسع داخل المملكة وخارجها فيكون للمنبر حضوره الديني والاجتماعي والإنساني.
وفي تجربة الشيخ صالح بن حميد يبرز هذا الحضور من خلال مسيرة علمية وقضائية وخطابية امتدت لسنوات إلى جانب مشاركاته في مجالات التعليم والعمل المؤسسي والشأن العلمي والدعوي. ويبقى المنبر أحد أبرز المساحات التي تتجلى فيها عنايته باللغة ووضوح الفكرة واستحضار القيم الشرعية والتربويه مع الحرص على أن تظل الخطبة متصلة بالإنسان وقضاياه واحتياجاته.
وفي رحاب البيت الحرام تظل قيمة الكلمة في معناها ومقصدها وأثرها وحين تجتمع سلامة المرجعية مع جمال البيان ووضوح التوجيه يصبح المنبر مساحة للتذكير والإصلاح وبناء الوعي. ومن هنا يأتي حضور صوت الشيخ صالح بن حميد في ذاكرة المنبر بوصفه صوتًا ارتبط لسنوات بخطابة المسجد الحرام وبأسلوب لغوي يجمع بين رصانة البيان وهدوء الخطاب واستحضار المعاني الإيمانية والتربوية.
المشاهدات : 1022
التعليقات: 0










