كم من يوم جميل أفسدناه بشيء لم يحدث؟
وكم من فرحة كانت بين أيدينا فلم نعشها، إما لأننا أجّلناها إلى الغد، أو لأننا خفنا مما قد يأتي بعدها؟
هناك من يؤجل سعادته دائمًا.
يقول: عندما أنتهي من دراستي سأرتاح.
ثم ينتهي منها ويقول: عندما أحصل على الوظيفة التي أريدها سأكون سعيدًا.
وتأتي الوظيفة، فيقول: عندما أتزوج.
ويتزوج، فيقول: عندما أمتلك البيت الذي أحلم به.
وهكذا يمر العمر، وكلما وصل الإنسان إلى شيء كان ينتظره، وضع لسعادته شرطًا جديدًا.
وكأن حياته اليوم لا تستحق أن تُعاش، وكأن السعادة دائمًا موجودة في مكان آخر.
وقد نفعل ذلك حتى مع الأشياء الصغيرة.
يأتيك كوب القهوة الذي تحبه، فتقول: سأشربه بعد أن أنتهي.
تأتيك لحظة جميلة، فتؤجلها.
تجلس مع من تحب، لكن عقلك مشغول بالغد.
حتى تصبح حياتك كلها انتظارًا: انتظار التخرج، والوظيفة، والزواج، والبيت، وانتهاء المشكلة، وانتظار أن تصبح الحياة كما تريد.
لكن متى سنعيش؟
وأحيانًا لا نؤجل سعادتنا انتظارًا لشيء قادم، بل نوقفها بسبب شيء فقدناه.
قد يفقد الإنسان أبًا، أو أمًا، أو شريك حياة، أو شخصًا عزيزًا عليه، فيشعر أن الحياة توقفت عند تلك اللحظة، وأنه لن يستطيع أن يكون سعيدًا مرة أخرى.
والحزن حق، والاشتياق حق، وبعض الفقد لا يُنسى مهما مرت السنوات.
لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن الحياة.
قد تحمل إنسانًا في قلبك طوال عمرك، وتشتاق إليه، وتدعو له، وفي الوقت نفسه تضحك وتفرح وتعيش.
فالفرح بعد الحزن ليس نسيانًا، والابتسامة بعد الفقد ليست خيانة للذكرى.
الحياة لا تطلب منا أن ننسى من فقدناهم حتى نستطيع أن نكمل، بل أن نتعلم كيف نكمل وهم في قلوبنا.
وهناك من لم يفقد شيئًا أصلًا، لكنه يعيش كل يوم خائفًا من الفقد.
يخاف على من يحب قبل أن يفقده، ويخاف المرض وهو في عافية، ويخاف فشل تجربة لم يبدأها، ويخاف نهاية فرحة ما زالت في بدايتها.
وهنا يبدأ ذلك السؤال الصغير الذي قد يتحول مع الوقت إلى قفص:
ماذا لو؟
ماذا لو حدث كذا؟
ماذا لو خسرت؟
ماذا لو ندمت؟
ومن سؤال واحد، نكتب قصة كاملة…
ثم نعيش ألم قصة لم تحدث.
قد يتردد أحدهم في إكمال دراسته بعيدًا عن أهله لأنه يخشى أن يحدث لهم مكروه، وقد يتراجع آخر أمام فرصة للعلاج لأنه سبق الأحداث وتخيل أسوأ نتائجها، وقد يخاف شخص من الزواج لأنه عاش فشله في خياله قبل أن يبدأ.
وهكذا نصبح أحيانًا بارعين في كتابة السيناريوهات لأحداث لم تقع، ثم نعيش مشاعرها وكأنها حدثت فعلًا.
نبني القفص بأنفسنا… ثم نجلس داخله.
وربما لا تكون المشكلة في التفكير في الغد، فنحن جميعًا نفكر ونخطط ونخاف على من نحب.
لكن المشكلة تبدأ حين يأخذ الغد منّا يومنا، وحين يصبح احتمال لم يقع أقوى من نعمة نعيشها الآن.
فكم من حزن عشناه قبل أوانه؟
وكم من فرحة مرّت أمامنا ولم ننتبه إليها لأننا كنا مشغولين بما قد يحدث بعدها؟
لا تؤجل فرحًا قد أتاك، ولا تعش حزنًا لم يأتِ.
أما ذلك القفص الذي نصنعه من «ماذا لو؟»…
فأنا أعرفه جيدًا.
يتبع…










