يمثل العمل الخيري في المملكة العربية السعودية قيمة راسخة من قيم التكافل والتراحم، وقد تطور اليوم ليصبح شريكًا مهمًا في التنمية وبناء الإنسان. وفي محافظة المويه، تبرز الحاجة إلى مواصلة نمو العمل الأهلي والخيري، وتوسيع مجالاته، وتحويل روح التكافل التي يتميز بها المجتمع إلى مبادرات مؤسسية مستدامة ذات أثر ملموس.
وتأتي رعاية الأيتام في مقدمة مجالات العمل الخيري؛ لما تحمله من أبعاد إنسانية واجتماعية وتربوية عميقة. فاليتيم لا يحتاج إلى الدعم المالي وحده، بل إلى منظومة متكاملة من الرعاية والتعليم والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، بما يحفظ كرامته ويمنحه فرصة حقيقية لبناء مستقبله.
ومن هذا المنطلق، نحرص في جمعية كأبيه لرعاية الأيتام بالمويه على أن تتجاوز رعاية اليتيم مفهوم الكفالة التقليدية إلى الرعاية الشاملة والتمكين وصناعة الفرص. وتعمل الجمعية على تقديم برامج في التعليم والسكن والنقل والأنشطة وتنمية المهارات، إلى جانب بناء الشراكات مع الجهات الحكومية والخيرية والتعليمية والمانحة، بما يعزز جودة الخدمات المقدمة للأيتام وأسرهم.
وتشير دراسات ومسوح في سلوك التبرع إلى أن رعاية الأيتام من المجالات التي تحظى بجاذبية مرتفعة لدى المتبرعين، ويرتبط ذلك بوضوح أثر التبرع وقوة البعد الإنساني لهذه القضية. غير أن تنامي التبرعات يستلزم في المقابل تعزيز الحوكمة والشفافية وقياس الأثر؛ فالمتبرع اليوم لا يبحث فقط عن معرفة أين ذهب تبرعه، بل يريد أن يعرف ماذا صنع هذا التبرع؟
إن محافظة المويه بحاجة إلى منظومة أهلية متنامية، تتكامل فيها أدوار الجمعيات المتخصصة والعامة، وتتشارك الخبرات والموارد، وتتعاون مع القطاعين الحكومي والخاص والجهات المانحة. فالتخصص لا يعني التفرق، بل يتيح تكامل الجهود والوصول إلى احتياجات المجتمع بصورة أكثر كفاءة.
كما أن مستقبل العمل الخيري يتطلب الانتقال من المساعدة إلى التنمية، ومن الاستجابة المؤقتة إلى الاستدامة، من خلال الاستثمار في الأوقاف والمشاريع المدرة للدخل، وبرامج التأهيل والتعليم والتمكين؛ حتى يصبح المستفيد قادرًا على الاعتماد على نفسه وصناعة مستقبله.
وفي مجال الأيتام تحديدًا، يجب أن ننظر إلى اليتيم باعتباره طاقة بشرية وفرصة للمستقبل، لا مجرد حالة احتياج. فكل طفل نساعده على التعليم والنجاح والاعتماد على نفسه هو استثمار في أسرة أكثر استقرارًا ومجتمع أكثر قوة ووطن أكثر عطاءً.
إن أهل المويه يملكون رصيدًا أصيلًا من الكرم والتكافل، وما نطمح إليه هو أن يتحول هذا الرصيد إلى عمل مؤسسي أكثر تنظيمًا واستدامة، وأن تتضافر الجهود حتى يجد كل يتيم الرعاية التي يستحقها، والفرصة التي تفتح له أبواب المستقبل.
فحين نرعى اليتيم اليوم، فإننا لا نبني حياة فرد فحسب؛ بل نبني أسرة، ونقوي مجتمعًا، ونستثمر في مستقبل وطن.
بقلم:د. ناصر بن وارد الذيابي
رئيس مجلس إدارة جمعية كأبيه لرعاية الأيتام
عضو المجلس العمومي لجمعية البر الخيرية بمحافظة المويه










