شهد بيت الثقافة بحائل الثلاثاء الماضي، محاضرة فكرية موسّعة بعنوان «الرواية في عصر الخوارزميات: تحولات السرد بين الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي»، والتي نظمها نادي سيدات الفكر، وقدمها عضو مجلس إدارة النادي الأدبي، الصحفي في المجال الثقافي الدكتور مفرح بن غاطي الرشيدي، فيما أدار الحوار الأستاذ يزيد الشمري، وسط حضور نوعي من الأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالشأن الثقافي والتقني.
واستهلّ المحاضر حديثه بمدخلٍ مفاهيمي وضع فيه إطارًا نظريًا للعلاقة بين الأدب والتقنية، مبيّنًا أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات حسابية، بل أصبحت فاعلًا ثقافيًا يؤثر في إنتاج المعنى وتشكيل السرد.
وشرح الفارق الجوهري بين “الأداة” بوصفها وسيلة تنفيذ، و“المؤلف” بوصفه ذاتًا واعية تقصد المعنى وتتحمل مسؤوليته الفكرية والأخلاقية، مؤكدًا أن جوهر الإبداع لا يُختزل في توليد الكلمات، بل في الوعي الذي يمنحها دلالتها.
وتناول اللقاء التحولات التي طالت مفهوم الكاتب في العصر الرقمي، حيث لم يعد الكاتب المصدر الأوحد للنص، بل أصبح في أحيان كثيرة موجّهًا ومحررًا ومصممًا للعمل السردي في عملية كتابة تشاركية بين الإنسان والآلة. وأوضح أن هذا التحول لا يعني إلغاء دور الكاتب، بل إعادة تعريفه، بحيث يصبح أكثر وعيًا بإدارة أدواته التقنية دون التفريط بصوته الخاص.
وفي محورٍ تحليلي، قارن المحاضر بين السرد البشري والتوليد الآلي، موضحًا أن السرد الإنساني ينبع من التجربة والذاكرة والوعي بالألم والتحوّل، بينما يعتمد السرد الخوارزمي على تحليل الأنماط اللغوية واستدعاء احتمالات إحصائية. وطرح تساؤلًا مركزيًا: هل تكفي المحاكاة لإنتاج أدب ذي قيمة جمالية وإنسانية، أم أن الإبداع يتطلب تجربة معاشة لا يمكن للآلة امتلاكها؟
كما تطرقت المحاضرة إلى أثر الخوارزميات في بنية الرواية، من خلال إمكانيات الحبكات المتفرعة، والنهايات المتعددة، والروايات التفاعلية التي تسمح للقارئ بالمشاركة في تشكيل مسار الأحداث.
وأشار إلى أن هذه الإمكانات تفتح أفقًا جديدًا للسرد، لكنها في الوقت ذاته قد تحمل خطر تسطيح الشخصيات إذا لم يتدخل الكاتب لتأصيل عمقها النفسي والوجودي.
وفي جانب اللغة والجمالية، ناقش المحاضر قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد الأساليب البلاغية، مقابل محدوديته في ابتكار تعبير لغوي متفرد يكسر المألوف ويخلق شعرية جديدة. وأكد أن أخطر ما قد يواجه السرد المعاصر هو الوقوع في النمطية والتشابه النصي نتيجة الإفراط في الاعتماد على التوليد الآلي.
وتوسعت الجلسة في مناقشة التحولات التي طرأت على القارئ، حيث لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح شريكًا في صناعة النص عبر المنصات الرقمية والروايات التفاعلية. وجرى طرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحول يعمّق التجربة الجمالية أم يحوّل الرواية إلى منتج مخصّص وفق تفضيلات استهلاكية.
كما خُصص محورٌ كامل للإشكالات الأخلاقية والقانونية، شمل سؤال الملكية الفكرية للنصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي، والمسؤولية الأدبية عن محتواها، وإمكانية إغراق السوق الثقافي بنصوص متشابهة قد تؤثر في قيمة العمل الإبداعي الأصيل.
وشهدت الجلسة مداخلات ثرية من الحضور، تطرقت إلى تجارب استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص والروايات، وإلى مستقبل الرواية العربية في ظل هذه التحولات.
وأكد المحاضر في ختام حديثه أن الرواية ليست أمام نهاية، بل أمام مرحلة تحول تاريخية شبيهة بتحولها من الشفاهية إلى الكتابة، ثم إلى الطباعة، فالنشر الرقمي. وشدد على أن مستقبل السرد سيعتمد على قدرة الكاتب على توظيف التقنية دون أن يفقد صوته الإنساني، وعلى تطوير أدوات نقدية جديدة لمواكبة هذا التحول.
واختُتمت الفعالية بنقاش مفتوح دار بين المحاضر والحضور، تناول سؤالًا محوريًا: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الكاتب، أم سيبقى أداة في يده؟ وهو السؤال الذي ظلّ معلقًا، فاتحًا أفقًا لمزيد من الحوار حول علاقة الإبداع بالتقنية في العصر الرقمي.
وتأتي هذه المحاضرة ضمن جهود نادي سيدات الفكر لتعزيز الحراك الثقافي في المنطقة، ومواكبة القضايا الفكرية والأدبية المعاصرة، وفتح مساحات حوارية جادة حول التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي العالمي.









