بداية أهنيء بعيد الفطر المبارك خادمَ الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، ووليَ عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز وفقه الله ونشكر الله سبحانه وتعالى أن سخر هذه الحكومة لخدمة الحرمين الشريفين وأمن هذه البلاد وشعبها، وتمكين الراحة والسلام في هذا البلد الطيب، فالعيد في المملكة العربية السعودية عيدان: عيد الفطر المبارك، وعيد الأمن والرخاء، جعل الله أعيادنا مباركة وسعادة دائمة.
خليني أكتب عن العيد في المدينة المنورة من ذاكرة الطفولة..
لما نتكلم عن مظاهر العيد وفرحته، مهو يوم في السنة وبس، نتكلم عن ذاكرة كاملة.. عن طفولة، وعن حارات مليانة ضحك، وعن صباحات العيد اللي كانت تبدأ بالتكبيرات وتمتلئ بالفرح.
العيد زمان في المدينة كان له طعم تاني.. كان يبدأ قبل العيد بأيام.. إحنا كأطفال كنا نعيش حالة انتظار وفرحة من بدري، نروح نشتري ملابس العيد مع أمهاتنا، وكل لوازم العيد، ونرجع البيت ونقعد نتفرج عليها كل شوية.
وبعضنا كان ينام وملابس العيد جنبه.. في حضنه.. يفرشها في السرير ويقعد يتأكد إن كل شيء جاهز: التوب، الجزمة، الغترة، العقال .. ينام وهو مبسوط، مستني صباح أجمل يوم في السنة.
وفي ليلة العيد ما كنا ننام كتير.. كنا نخرج في الحارة، نلعب ونفرح، ونطرطع ونشارك في الألعاب النارية، والضحك مالي قلوبنا قبل الشوارع.. كانت الحارات مليانة أطفال، وكل واحد يوري التاني لبس العيد حقه.. ياااااا الله على البساطة.
وقبل الفجر بساعة ولا ساعتين كنا نقوم نلبس بسرعة، ونتعطر، ونمشي للحرم.. إحنا كنا قريبين في العنابية، يعني تقريباً خمس دقايق من بيتنا للحرم، فكنا نمشي مع الناس بكل جمال وسعادة والقلوب طيبة .. نصلي الفجر وبعدها تبدأ تكبيرات العيد ..
صوت التكبير يملأ ساحات الحرم والحواري ويخش البيوت، والناس تردد:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله..
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وكان الشعور وقتها ما يتوصف.. تحس إن المدينة كلها فرحانة ولابسة جديد.
وبعد شروق الشمس تُقام صلاة العيد، نصليها مع الإمام، بتكبيراتها الجميلة اللي كانت تشرح صدورنا، وبعد الخطبة يبدأ العيد الحقيقي.. الناس تسلم على بعض، الكبير والصغير، وكل واحد يقول للثاني: من العايدين.. ويرد عليه من الفايزين، تقبل الله منكم.
وبعدها تبدأ الزيارات.. نروح مجموعات، أطفال الحارة مع الآباء، نزور الجيران والأقارب.. والبيوت أبوابها زمان كانت مفتوحة، ما كان في تكلف.. ندق الباب ونعايد من برة، ويرد صاحب البيت: تفضلوا حياكم الله.
ندخل المجلس، نسلم بأدب ويقدموا لنا حلويات العيد، خاصة الحلقوم كان منتشر زمان أول، وبعدها تجي اللحظة اللي كنا ننتظرها بكل شوووق.. العيدية.
كانت العيدية بسيطة، ريالين ثلاثة ريال، خمسة ريال، عشرة ريال.. وأحياناً لو أحد أعطانا خمسين ريال نحس كأننا من كبار رجال الأعمال المهمين في البلد 😄
كانت أيام بسيطة.. لكن والله كانت مليانة محبة وفرح، العيد كان ترابط روحاني يغرس الإيمان في القلب، كان عبارة عن قلب واحد ينبض بين الناس.
وإلى اليوم، كل ما يجي العيد، ترجع هذه الصور في الذاكرة.. ونقول في أنفسنا: يا ليت ذيك الأيام الجميلة ترجع بجمالها وبساطتها.. الوضع الاجتماعي كان منظم جداً زي خلية النحل، تحكمها العادات المدينية المتوارثة جيلاً بعد جيل ، والصغار والكبار يعرفوها، أشير إلى أن امتداد هذا الموروث موجود حتى الآن، متمثلاً في (مجتمعي) ومراكز الأحياء اللي تؤدي هذا الدور وتجدده بشكل منسق ومرتب نظراً لاتساع الرقعة العمرانية.
والشعر حاضر بحضور العيد.. والشعراء دايماً يترجموا العيد بطريقتهم .. وأنا هنا أشارك بأبيات لطيفة:
أيكتمل البدر دون ضياكَ
وأزهو بعيديَ دون رؤاكَ
فمن سأراه وأنتَ بعيدٌ
ومن أرتجيه لقاءً سواكَ
إذا ارتقبوا العيدَ أعلنتُ أني
رأيتُ هلالك عند لقاكَ
فقل لي بربك كيف حياتي
تقر إذا غاب عني سناكَ ..
بقلم / أحمد القاري







