في زمنٍ صار فيه “الجوال الذكي” شباكاً لا يغلق، ونافذةً تطل منها الأعين على أدق تفاصيل حياتنا، فقدت البيوت أسرارها، واستُبيحت “الستور” التي كانت يوماً حصناً منيعاً. في الماضي، كان البيتُ مملكاً خاصة، ومناسباته واحةً للسكينة والبهجة المحفوفة بالكتمان، أما اليوم، فقد تحولت كل زاوية فيه إلى “محتوى” رقمي يتسابق الحاضرون على نشره قبل أن تنتهي الأمسية.
تدخلُ المدعوين بيتك “المستور”، فتُفتح الكاميرات وتُصوب العدسات نحو مائدتك، وأثاثك، وحتى ضحكات ضيوفك. في زحمة التقنية وتطور المنصات، غاب “أدب الضيافة” وحلّ محله “هوس المشاهدات”؛ فكل تفاصيل مناسبتك التي ظننتها خاصة، باتت مشاعة في فضاء التواصل الاجتماعي، تتلقفها الأعين من كل حدب وصوب، وكأن جدران منزلك قد غدت من زجاجٍ شفاف.
إنّ هذا الاختراق الصامت للخصوصية يسلب اللحظة قدسيتها، ويحول الوجوه من “مدعوين” يشاركونك الفرح إلى “مصورين” يوثقون المظاهر. ضاعت الألفة في غمرة البحث عن “زاوية التصوير” المثالية، وتبددت سكينة البيت تحت وطأة “الفلاتر” والمنشورات اللحظية. لقد نسي الكثيرون أن البيوت تُبنى على الستر، وأن جمال المناسبة يكمن في حضور القلب، لا في عدد “اللايكات” التي ستحصدها تفاصيل عيشك المستباحة.
فما أقسى أن يكون بيتك مستوراً، لكنّ أسراره معلقة في “السحابة” الإلكترونية، وما أغرب أن يكون لسانك في ذكر الله، بينما عدسة ضيفك تشرح خصوصيتك للعالم أجمع دون استئذان.
المشاهدات : 7373
التعليقات: 0







