قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]
هذه الآية لا تتحدث عن أناس لا يخطئون، بل عن أناس إذا اقتربت منهم الوسوسة أو الغفلة أو الهوى، انتبهوا لها وعالجوها بسرعة.
أولاً: كيف أكتشف أن مسني طائف من الشيطان؟
الطائف هو خاطر أو وسوسة أو اندفاع يمر بالقلب والعقل، ومن علاماته:
* أن يدفعك إلى معصية أو تقصير في طاعة.
* أن يزين لك الخطأ ويجعله يبدو مبرراً.
* أن يملأ قلبك بالغضب أو الحسد أو الكبر.
* أن يجعلك تؤجل الخير وتؤخر العمل الصالح.
* أن يزرع الخوف المبالغ فيه أو اليأس أو سوء الظن.
* أن يشغلك عن هدفك ورسالتك فيما ينفعك في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة: 268].
وقال النبي ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» متفق عليه.
فإذا وجدت نفسك تقول:
“لاحقاً أتوب”
أو
“كل الناس يفعلون ذلك”
أو
“لن أنجح مهما حاولت”
أو
“سأنتقم وأرد الصاع صاعين”
فاعلم أن هناك طائفاً يحتاج إلى انتباه ومراجعة.
ثانياً: كيف أتذكر؟
التذكر هو الرجوع إلى الحق بعد لحظة الغفلة.
ويتحقق من خلال:
* الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
* تذكر مراقبة الله سبحانه وتعالى.
* تذكر القرآن والسنة وما تعلمته من الحق.
* تذكر الموت والوقوف بين يدي الله.
* تذكر العواقب والنتائج قبل اتخاذ القرار.
قال الله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: 200].
وقال النبي ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» رواه البخاري.
اسأل نفسك:
1. هل هذا الفعل يرضي الله؟
2. ماذا لو رآني أبنائي أو من أُحب أفعل ذلك؟
3. ماذا ستكون نتيجة هذا القرار بعد سنة؟
4. هل هذا يقربني من رسالتي أم يبعدني عنها؟
هنا يبدأ القلب بالاستيقاظ.
ثالثاً: كيف أبصر؟
الإبصار ليس رؤية العين فقط، بل رؤية الحقيقة كما هي.
فعندما تتذكر:
* ترى المعصية بعد أن كانت مزينة.
* ترى العواقب بعد أن كنت ترى المتعة المؤقتة فقط.
* ترى الفرصة بعد أن كان الخوف يحجبها.
* ترى الحل بعد أن كانت المشكلة تملأ تفكيرك.
* ترى الطريق الصحيح بعد أن كانت المشاعر تقودك.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29]، أي نوراً وتمييزاً بين الحق والباطل.
وقال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46].
وهنا يتحول الإنسان من رد فعل عاطفي إلى قرار واعٍ.
البرنامج العملي اليومي
عندما تشعر باضطراب أو رغبة أو غضب أو خوف:
1. توقف.
2. استعذ بالله.
3. اسأل: ماذا يريد الشيطان مني الآن؟
4. اسأل: ماذا يريد الله مني الآن؟
5. تذكر الآيات والأحاديث التي تعرفها.
6. انظر إلى العواقب لا إلى المشاعر فقط.
7. اتخذ القرار الصحيح مباشرة.
ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعملَ لما بعدَ الموتِ، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنَّى على اللهِ الأمانيَّ» رواه الترمذي وحسنه بعض أهل العلم.
قاعدة ذهبية
كل فكرة تمر بعقلك ليست أنت.
فكرة الغضب ليست أنت.
وفكرة الحسد ليست أنت.
وفكرة اليأس ليست أنت.
أنت من يختار: هل يتبع الفكرة أم يعرضها على ميزان القرآن والسنة.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].
وقال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه، فالعبرة بما يختاره العبد ويعزم عليه لا بمجرد الخواطر العابرة التي لا يعمل بها.
وهذا هو معنى الآية:
“مسّهم طائف” … فانتبهوا له.
“فتذكروا” … فرجعوا إلى الحق.
“فإذا هم مبصرون” … فرأوا الحقيقة واتخذوا القرار الصحيح.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل التقوى الذين إذا مستهم وساوس الشيطان تذكروا، وإذا تذكروا أبصروا، وأن يرزقنا قلوباً حية لا تغفل عن ذكره، وبصيرة تهدينا إلى الحق عند اشتباه الطرق، وعزيمة تعيننا على طاعته ومجاهدة أهوائنا. اللهم اصرف عنا كيد الشيطان ووساوسه، وثبتنا على الهدى حتى نلقاك، واجعل القرآن نور صدورنا، وذكرنا عند الغفلة، وأيقظنا عند الزلة، واختم لنا بالحسنى، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
خلاصة مركزة
* الوساوس تبدأ غالباً بخاطر يزين الخطأ أو يثبط عن الخير أو يزرع الخوف واليأس وسوء الظن.
* أول خطوة للتعامل معها هي الانتباه لها وعدم الاستسلام لها أو اعتبارها حقيقة ملزمة.
* تذكر الله والاستعاذة به، واستحضار القرآن والعواقب، يعيد القلب إلى طريق الحق.
* لا تتخذ قراراً وأنت تحت تأثير الغضب أو الخوف أو الشهوة؛ توقف وفكر فيما يرضي الله.
* اعرض كل فكرة على ميزان الشرع والعقل، ثم بادر إلى العمل الصحيح دون تأخير.
عبدالعزيز القعيد







