السبت, 5 شعبان 1447 هجريا, 24 يناير 2026 ميلاديا.
مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاه بحسب التوقيت المحلى لمدينة المدينة المنورة ليوم السبت, 5 شعبان 1447هـ

الفجر
05:45 ص
الشروق
07:06 ص
الظهر
12:34 م
العصر
03:40 م
المغرب
06:01 م
العشاء
07:31 م
المشاهدات : 14746
التعليقات: 0

إبحارٌ متواضعٌ في سيرةِ الشَّيخ رحمة الجلاهمة

إبحارٌ متواضعٌ في سيرةِ الشَّيخ رحمة الجلاهمة
https://www.alshaamal.com/?p=307266

الشَّيخ رحمة جابر عذبي الجلهمي قائدُ الأسطول البحريّ للدَّولة السُّعوديَّة الأولى، إنَّه رجلٌ استثنائيٌّ تردَّدَ اسمُه كثيرًا في مصادر التّاريخ العربيّ والأجنبيّ، عاصَرَ الدَّولةَ السُّعوديّةَ الأولى والثّانية، وكان شاهدًا على أحداثٍ تاريخيَّةٍ مهمَّةٍ في شبه الجزيرة العربيّة، ومؤثّرًا فيها… وفي هذا المقال سنجمعُ مقتطفاتٍ من جوانب حياتِه الحافلة بالأحداث.

هاجر آل صباح وآل خليفة والجلاهمة إلى الكويت، وسُمّيَ حلفُهم بحلف العتوب، وعندما استقرّوا فيها وُلِد الشَّيخُ رحمة بن جابر بن عذبي الجلهمي عام 1170هـ/1756م على الأرجح، وهاجر آل خليفة والجلاهمة إلى البحرين لاحقًا، وهناك حدث الخلاف الأوّل الذي كان سببًا رئيسًا في تحوّلِ الأحداث في حياة الشَّيخ رحمة الجلاهمة، فرحلَ الجلاهمة من البحرين إلى خور حسان في قطر، وكان يرأسهم في ذلك الوقت الشّيخ جابر بن عذبي الجلاهمة، وبعد وفاته رأسَ الجلاهمة العائدين إلى البجايدة من عنزة ابنه الشّيخ رحمة الجلاهمة، وكان شابًا في العشرين من عمره، وكانت نفسه تحدّثه أن يكون حاكمًا، وأن يُنشِئ حولَه قوَّةً سياسيَّة، فلم يلبث أن سطع نجمه على مسرح الأحداث التّاريخيّة في الخليج العربيّ.

ولا تمكن الإحاطةُ بالأحداث من دون استجلاء شخصيّة الشّيخ رحمة الجلاهمة من خلال ما ذكره المؤرّخون عنه، ومنهم ابن بشر في كتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد»، والفاخري في كتابه «الأخبار النَّجديّة»، والبسّام في كتابه «تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق»، وغيرهم، وقد اتَّفق المؤرّخون على أنَّ الشّيخ رحمة الجلاهمة كان جليلَ القدر، وكان نادرةَ عصرِه بأسًا وسطوةً وشجاعةً وهيبةً، كما يذكر ابن بشر.

فيذكر ابن بشر عن شخصيَّة الشّيخ رحمة الجلاهمة أنّه كان مولَعًا بإنشاد الأشعار، لا سيّما أشعار الحرب والحماسة، وأنّ له شعرًا جيّدًا؛ كما يذكر أنه كان محبًّا لأهل الدّين، وأهل الدّعوة، فكان من شعره فيهم قصيدته الدّاليّة التي نَظَمها بعد انهيار الدّولة السّعوديّة الأولى، إذ توضّح هذه الأبيات حُسْنَ عقيدتِه ومحبّتَه لهم؛ فمنها قوله:

جَزَى اللهُ بالخَيراتِ عَنّا أئمّةً دَعونا إلى التَّوحيدِ عن هوَّةِ الرَّدى
مشايخَنا أحبارَ دينٍ نبيهم فمنهُم تقيّ الدّين حبر تزهّدا
وقامَ على آثارِه شيخُ علمِنا إمامٌ روى التَّوحيدَ علمًا وسؤدَدا
وأطفأ نيرانًا لشركٍ تجدَّدَت بنجدٍ فوارّاها هناك وأخمدا
وكان بنوه في الطَّريقةِ بعده وأنصارُهم أهلُ الشَّجاعةِ والنَّدى
قيامًا بحمدِ اللهِ في نصرِ دينِه وقد حكّموا في المُشركين المهنَّدا

ومنها فيمن أعان الأعداء على المسلمين:
ولو لم يكن من كفرِهم غير أنَّهم أعانوا العِدى طوعًا على دين أحمدا

وتعدُّ هذه شاهدًا على عناية الشّيخ رحمة الجلاهمة بالشّأنِ الدّينيّ، وقضايا المسلمين، ومن أشعاره الّتي تعكس اعتزازه بنفسه وفخره بنسبه:

وقلب كثير الفكر في مطلب العلا ما يشهبه غرن يعدل جدايله
بنيت لي قصر من الساج شامخ سراياه من دهم الفرنجي سلايله
أنا صوغ له بيضٍ هنادٍ فواخر إلى عاد خاطي النذل صاغ لحلايله
جربت أنا الدنيا صبي وشايب على خوض بحر أو هواجير قايله
فلا كل من ركب النضا يوصل العدا ولا من يشل السيف تمضي فعايله
ومنها أيضًا:
قد قال ابن كلثوم قبلي مثايل على حينا والحر يرجع لـــ وايله
تخر جبابرة المعادين سجد إلى شب منا تغلبي أوايله

وفي البيت الأخير يجاري الشّيخ رحمة الجلاهمة أحد أبيات معلّقة عمرو ابن كلثوم التّغلبي، وهو ما يعدُّ دليلًا على العلم الّذي تلقّاه، وثقافته الأدبيّة الواسعة.

وأمّا ما تذكره المصادر البريطانيّة عن شخصيّة الشّيخ رحمة الجلاهمة، فقد نقلت عنه صورةَ القرصان السَّيّئ، وهذه الصّفة تلازمه في المصادر البريطانيّة؛ لكونِها تعكس النَّظرة الاستعماريَّة للمنطقة، ومن الجدير بالذّكر أنّ في بعضها تناقضاتٍ حول شخصيّة، إلّا أنَّ جميعَها اتّفقت على شجاعته ودهائِه، فيذكر “جميس سلك بكنجهام” بعد أن التقى بالشّيخ رحمة الجلاهمة في بوشهر، أنّه كان قائدًا لأسطولٍ عربيّ لأكثر من عشرين عامًا، ومُسبّبًا الرُّعبَ في الخليج العربيّ، ووصفه بأنّه طويل القامة والأطراف، ونحيل البنية، وقد غطّت طعناتُ السّيوفِ والخناجرِ أجزاءً من جسدِه، وأن تقاسيم وجهه تكسوها الصَّرامةُ والشّدّةُ، وكانَ فاقدًا إحدى عينيه جرّاء إحدى معاركه، ويذكر أيضًا أنّه كان قاسيًا في تعامله مع مَنْ حولَه، فيقتل الرَّقيق إذا غضب، إلّا أنّه عاد ليناقض نفسه بوصفه الشيخ أكثر القراصنة تسامحًا، ويظهر التَّناقض أيضًا في ما ذكره الضّابط سادلير، إذْ يصفُ الشّيخ رحمة الجلاهمة بالبَربَريّ في رحلته من القطيف إلى ينبع، ويعترف في الوقتِ نفسِه بموقفِه الإنسانيّ حين بادر إلى مساعدته عندما علقت سفينتُه في شاطئ القطيف، ويتبيّن من هذا التّناقض ازدواجيّة المعايير في تقييمهم وتصويرِهم لشخصيّة الشّيخ رحمة الجلاهمة.

وأمّا علاقة الشّيخ رحمة الجلاهمة بأئمّة الدّولة السّعودية الأولى، وشيوخ الخليج العربيّ، فيذكر ابن بشر أنّ الشّيخ رحمة الجلاهمة انضمّ إلى أئمّة الدّولة السّعوديّة الأولى عام 1224هـ/ 1809م، وقد جعله الإمام سعود بن عبد العزيز آل سعود أميرًا في الخوير في قطر والدّمّام والقطيف، ومحاربًا في البحر، فصارت له هيبةٌ وقوّةٌ، وأرسل إليه الإمام سعود بن عبد العزيز رجالًا يقاتلون معه، فكثُرت أعوانه، فحارَب أهلَ البحرين، وأهلَ مسقط وغيرهم حربًا قويَّةً، وله معهم مقاتلات ووقائع شديدة، فلما أطاحَ القدرُ بالدّولة السّعوديّة الأولى وأفضى بها إلى التَّفرُّق والجلاء، نزل الدَّمّام، وأقام فيها مدَّةً مصالحًا أهلَ البحرين والقطيف، وبعد مواجهات حربية مع رؤساء الأحساء، صالحوه على شيءٍ يدفعونه إليه من المال، ثمّ انتقض الصّلح بينهم جميعًا، فاتفقوا جميعُهم على محاربته، فحارب الشّيخ رحمة الجلاهمة أهل البحر كلّه.
وأمّا عن علاقته ببريطانيا، فقد تحدَّث عنها «ج.ج لومير» في دليل الخليج، وأشار إلى أنّ أحداث تاريخ الخليج العربيّ الواقعة بين عامي 1824م-1826م لن تكتمل من دون ذكر الشّيخ رحمة الجلاهمة، ودوره الرّئيس والمؤثّر فيها، كما ذكر أنّ بريطانيا سعت إلى القصاص منه خلال عامي 1809م-1810م، وناقشت خططَ الهجوم على مقرّه بخور حسان، إلّا أنّه أفلت من هذه المحاولات، واستمرّ في أعماله بالخليج العربيّ، بالرّغم من تحذيرات المسؤولين البريطانيين له، إذْ كانوا يعدّون أعمالَه قرصنةً تهدّد مصالحهم الاستعماريّة. وكانت بريطانيا دائمًا ما تحاول تجنُّبَ المواجهة المباشرة معه؛ لشراسته في المعارك، ولتتجنّب استثارة الدّولة السّعوديّة الأولى، لكونه أحد رجالها، فهي تتحاشى الصّدام مع هاتين القوّتين في بحر الخليج العربيّ كما تذكر الوثائق البريطانيّة الخاصّة بأرشيف بومباي، وذكر «ج.ج لومير» عن وفاة الشّيخ رحمة الجلاهمة أنّ موتَه أدّى إلى المزيد من الاستقرار في الخليج العربيّ، ولا يخفى على أحدٍ أنّ ما كانت بريطانيا الاستعماريّة تصفُه بالقرصنة لم يكن في الحقيقة سوى دفاع عن حقّ وجوديّ وشرعيّ سعت بريطانيا إلى سلبه من أهله.

وأمّا وفاة الشّيخ رحمة الجلاهمة، فقد اختلفت المصادر التّاريخية في كيفيّة حدوثها، فنرى بعضها أوردَت أنّه قد أنهى حياتَه بإشعالِ البارود الموجودِ بسفينته بيده، وهذه الرّواياتُ يشوبها قدرٌ من الاضطراب. وعلى النَّقيض من ذلك، يُجمِع كلٌّ من ابن بشر والفاخري والبسام على مجريات معركةِ الشّيخ رحمة الجلاهمة الأخيرة التي دارت في جمادى الأولى سنة 1242هـ/1827م ضدَّ شيوخ البحرين، وأمراءِ الأحساء والقطيف، وتتمثّل أحداث هذه الرّواية في أنَّ الشَّيخ رحمة الجلاهمة وضعَ خُطَّةً تقضي بأن يتولّى ابنه بشر الدّفاع من قصره بالدّمام، بينما يتولّى هو مقاتلةَ أهل البحر، وفي المقابل توجّه أحمد بن سلمان آل خليفة إلى سفينة الشّيخ رحمة الجلاهمة معتقدًا أنّه ما زال في قصره بالدّمام، غير أنّه فوجئ بوجوده على متنها، فنشب قتالٌ شديدٌ بين الطَّرفين، فأراد الله أن يثور بارودُ سفينة الشَّيخ، فاشتعلت النّار في السّفينتين واحترقتا، ويضيف الفاخري أنَّ المعركة بدأت في أوّلِ النَّهار، وتمكَّن الشّيخ من إيقاع خسائر كبيرة في صفوف خصومه، غير أنّ المعركة انتهت في آخرِ النَّهار بعد اشتعال النّار في السَّفينتين، ويضيف البسّام معنونًا في كتابه أنَّ سببَ وفاة الشّيخ رحمة الجلاهمة كان الغرق. فبناءً على هذا لا تستقيم رواية قتل الشّيخ رحمة الجلاهمة لنفسه مع ما ذكره المؤرّخون عنه؛ فهو رجلٌ عُرِف بشجاعتِه وصلابتِه ودهائِه، وخاضَ معاركَ كثيرةً خسِرَ في بعضِها رجالًا وسُفنًا عديدةً، وانتصَرَ في بعضها الآخر، ولا تتوافق أيضًا مع سير أحداث معركته الأخيرة؛ إذْ إنّ كفَّة النَّصر كانت تميل لصالحه لولا اشتعال السّفينة.

وخلاصة القول أنّ الشّيخ رحمة الجلاهمة يُعدُّ واحدًا من رجال الدّولة السُّعوديّة الأولى، وبطلًا من أبطالها الذين تصدّوا للاستعمار البريطانيّ، فدوّن المؤرّخون سيرَته؛ لتظلَّ شاهدًا على شجاعته ومكانته في الذّاكرة التّاريخيّة.

التعليقات (٠) أضف تعليق

أضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>