في الحادي والعشرين من فبراير من كل عام، لا نحتفل بتاريخٍ عابر في رزنامة المناسبات، بل نقف عند معنى يتجاوز الزمن إلى الرسالة. إنه اليوم العالمي للمرشد السياحي، مناسبة لا تُختصر في كلمات الشكر، بل تُجسّد اعترافًا بدورٍ يصوغ صورة الأوطان في ذاكرة الزائر، ويحوّل الرحلة من انتقالٍ في المكان إلى عبورٍ في المعنى.
المرشد السياحي ليس ناقلَ معلومات، بل حاملُ رواية.
هو العين التي ترى الجمال قبل أن يُرى، والصوت الذي يمنح الحجر ذاكرة، والطريق حكاية، والمشهد روحًا. حين يقف أمام معلمٍ أثري، لا يكتفي بوصف ارتفاعه أو تاريخ بنائه؛ بل يفتح نافذةً على زمنٍ كان، ويعيد ترتيب التفاصيل في قلب السامع، حتى يشعر أنه جزءٌ من القصة لا مجرّد عابرٍ فيها.
وفي هذا اليوم، نحتفي بروّاد السياحة الذين فهموا أن الإرشاد مسؤولية ثقافية قبل أن يكون مهنة. مسؤولية أن تُنقل الصورة صادقة، وأن تُعرض الهوية نقيّة، وأن يُستقبل العالم بابتسامةٍ تعكس أخلاق المكان قبل معالمه. فالسائح قد ينسى الفندق، وقد ينسى الطريق، لكنه لا ينسى مرشدًا أشعره بالأمان، وأجابه بصبر، وألهمه بحكاية.
الإرشاد السياحي فنُّ الإصغاء بقدر ما هو فنُّ الحديث.
هو القدرة على قراءة اختلاف الثقافات، واحترام تنوّع الخلفيات، وبناء جسورٍ من الفهم بين شعوبٍ قد لا يجمعها لسان، لكن يجمعها فضول الاكتشاف. في كل جولةٍ ناجحة، يولد حوارٌ حضاريّ صامت، تُصافح فيه القيمُ القيمَ، وتلتقي الإنسانية بإنسانيتها.
ولأن السياحة اليوم صناعة ووعي ورسالة تنموية، فإن المرشد السياحي أحد أعمدتها الصلبة.
به تُبنى الثقة، ويُصان التراث، وتُروى القصص كما ينبغي لها أن تُروى. هو الشاهد على الجمال، والحارس على الذاكرة، والسفير غير الرسمي لوطنه في عيون زوّاره.
إن احتفاءنا بروّاد السياحة هو احتفاء بالعطاء الصامت، بالخطوات التي تُمهّد الطريق للآخرين، وبالقلوب التي آمنت أن خدمة الضيف شرف، وأن تقديم الوطن بأجمل صوره مسؤولية لا تقبل العادية.
وفي اليوم العالمي للمرشد السياحي، نقول لكل من حمل بطاقة الإرشاد بروحٍ مخلصة:
أنتم لستم أدلّاء طريق، بل أدلّاء معنى.
أنتم لا تصحبون الزوّار في الجغرافيا فحسب، بل تقودونهم إلى جوهر المكان.
فليكن هذا اليوم تجديدًا للعهد:
أن يبقى الإرشاد رسالة،
ويبقى السفر معرفة،
ويبقى الوطن حكايةً تُروى بفخر… وتُحفظ بمحبة.
لِتَرَوْا جَمَالَ الأَرْضِ كَيْفَ يُشَيَّدُ.
بقلم
فاطمة عوضه الغامدي







