عندما رحلت والدتي قبل سنوات عديدة، فجعت بوفاتها رحمها الله، لقد كان فقدانها، فاجعة حقيقية، وجعها لايشيخ وجع عميق وصامت، وكأن شيئًا من الروح قد غاب.
فراقها ليس فقدان شخص فقط بل غياب الأمان كله.
بعد رحيل الأم، يصبح الدعاء هو المكان الوحيد الذي نلتقيها فيه.
رحلت أمي، وبقيت رائحتها في الدعاء، وصوتها في القلب.
لقد كانت فريدة.. فريدة من نوعها،
لم تكن تشبه أحدًا، لا في قلبها ولا في عطائها، كانت مختلفة بحنانها الذي يُشبه الأمان، وبقوتها التي تخفيها خلف ابتسامة، وبحبّها الذي كان يصل قبل الكلام.
كانت تعرف كيف تُربّت على الوجع،
وكيف تحوّل التعب إلى طمأنينة،
وكيف تجعل من أبسط الأشياء معنى كبيرًا.
أمّي لم تكن فقط أمًّا، كانت وطنًا، ودعاءً، وذاكرة لا تغيب.
أمي تختلف لأنها ترى فيَّ ما لا يراه الآخرون، تؤمن بي حتى عندما أشكّ في نفسي، وتدفعني للأمام بلطفٍ وحب.
لا تُقارنني بأحد، بل تجعلني أشعر أني مميزه بطريقتي الخاصة.
وما يميزها أكثر هو صبرها الذي لا ينتهي، وإبتسامتها التي تُخفي خلفها تعبًا كبيرًا، لكنها تختار دائمًا أن تعطيني الفرح بدلًا من أن تُظهر لي همومها.
لقد كانت أمي عالمٌا كاملا من الحب والاحتواء.
أشتاق لها دائما، كلما اجتاحني الحزن والقلق تكون حاضرة معي في مخيلتي، لقد كان حبها لنا، هو أنقى أشكال الحب وأصدقها ،حبّ ما ينتظر مقابل، ولا يعرف شروط، ولا يضع حدود،كان عطاء بلا حساب: تتعب وتضحي وتبتسم، وكأن التعب ما مرّ عليها.
خوفها دائم علينا، قلبها يسبق خطواتنا، وتقلق علينا حتى ونحن بخيرعلى رغم قوتها إلا أنها تضعف أمام دموعنا، لكنها تقف جبلاً لحمايتنا .
تضحية أمي هي أجمل ما في هذا العالم،هي قصة حبّ لا تُحكى بالكلمات، بل تُرى في الأفعال.
أمي تُضحّي براحتها من أجل راحتي، تسهر الليالي لأجل أن أنام مطمئنًة وتتعب بصمت كي لا أشعر أنا بأي تعب، قد تتنازل عن أشياء تحبها فقط لتراني سعيدًة، وتؤجل أحلامها لتصنع لي مستقبلاً أفضل.
تضحية أمي ليست مرةً واحدة، بل هي كل يوم في كل موقف، في كل تفصيلة صغيرة.
تبتسم رغم تعبها، وتُخفي حزنها حتى لا تقلقني، وتعطيني كل ما تملك دون أن تنتظر شيئًا في المقابل.
هي التي تُعطي بلا حدود، وتحب بلا شروط، وتغفر بلا تردد؛ لذلك، مهما حاولت أن أوفيها حقها، يبقى قليلًا أمام ما قدمته لي ،تضحية أمي هي سرّ قوتي، وسبب سعادتي، وأجمل نعمة في حياتي.
أحيانا كانت تقسو علينا وكنت أتذمر من قسوتها؛ لكن مع مرور الأيام والسنوات أدركت أن قسوتها كانت نابعة من خوف وحب وحماية ،وليس كره أو سيطرة .
قد تبدو قسوة أمي أحيانًا صعبة الفهم لكن حقيقتها ليست قسوة، بل حبٌّ عميق يختبئ خلف الخوف.
أمي حين تُشدّد عليّ أو تفرض سيطرتها، لا تفعل ذلك لتقيّدني، بل لتحميني.
هي ترى ما لا أراه، وتخاف عليّ من قسوة الحياة. لذلك تختار أحيانًا الحزم بدل اللين، والكلمة القوية بدل الصمت،قد أشعر أنها لا تفهمني في تلك اللحظات، لكن مع مرور الوقت أدركت أن كل تصرّف منها، كان بدافع الحرص عليّ وخوفها، من أن أتأذى، هي لا تريد أن تسيطر، بل تريد أن تضمن أن أكون بخير، قسوتها هي وجه آخر لحنانها،وسيطرتها هي دليل على إهتمامها الكبير.
فخوف الأم ليس ضعفًا، بل قوّة تدفعها لتفعل كل ما تستطيع لحماية أبنائها.
اللهم ارحم أمي واغفر لها، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وأجمعني بها في الفردوس الأعلى.







