ليس كل جرحٍ يُرى،
بعض الجراح تُصيب المعنى لا الجسد،
وتكسر فيك شيئًا لم تكن تظن أنه قابل للكسر.
كنت أظنه سندًا.
لا مجرد شخصٍ في حياتي، بل ركيزةً أطمئن إليها،
حائطًا أستند عليه حين تميل الأيام،
وصوتًا ألوذ به إذا ضاق العالم.
ثم اكتشفتُ — متأخرةً جدًا —
أن بعض من نُسميهم سندًا،
ليسوا إلا اختبارًا لصلابتنا.
الخذلان من الغريب يؤلم،
أما الخذلان من الذي ظننته ظهرك…
فيعيد تشكيلك بالكامل.
شعرتُ وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي،
وكأنني كنت أبني يقيني على رمل.
لم يكن الألم في الرحيل ذاته،
بل في الوهم الذي سبق الرحيل.
الوهم بأن أحدهم باقٍ إلى الأبد.
الحياة قطارٌ طويل،
نصعده ونحن نحمل قلوبًا بيضاء،
نثق بكل من يجلس جوارنا،
نشاركهم الطريق، ونحكي لهم عن أحلامنا،
ونظن أنهم سيصلون معنا إلى آخر محطة.
لكن الحقيقة القاسية أن لكل شخصٍ محطة نزوله.
بعضهم ينزل بصمت،
وبعضهم يترك في القلب شقًّا عميقًا،
وبعضهم ينزل وهو يعلم أنه كسر شيئًا لن يعود كما كان.
نعم… أنا متألمة.
وأحتاج أن أُخرج جرحي لا أن أُخفيه.
فالجرح الذي يُدفن يتحوّل إلى ندبةٍ في الروح.
لكنني أعلم أيضًا — بيقينٍ لا يتزعزع —
أن كل مُرٍّ سيمر.
وأن الألم، مهما اشتد، مرحلة لا قدرًا أبديًا.
القطار لم يتوقف.
لم تنتهِ الرحلة برحيل من ظننته سندًا.
ما زال يسير…
وفي مقاعده الثابتة أمي،
وأخواتي،
وأطفالي،
وأخي.
هؤلاء ليسوا عابرين.
هؤلاء جذور الطريق، وثباته، ومعناه.
تعلمتُ أن السند الحقيقي لا يُختبر عند أول عاصفة،
وأن من يُشبه الظلّ يختفي عند أول ظلام.
لم أعد أخاف من المحطات،
ولا من النزول المفاجئ،
فأنا اليوم أعرف أنني — وإن خذلني أحد —
قادرة على أن أكون سند نفسي.
الجرح الذي لا يُنسى،
لا يعني أنني سأبقى فيه.
بل يعني أنني خرجتُ منه
أكثر وعيًا…
وأشدّ صلابة…
وأصدق مع نفسي.
فالرحلة مستمرة،
والوجهة أوضح،
وبوصلتي اليوم لا تشير إلا إلى من يستحق البقاء حتى آخر الطريق.
بقلم زفاف الحربي







