الكلام عن العلاقة مع القرابة ذو شجون، متشعب لا يحكمه قانون، ولا هو مقفى ولا موزون، يثقل الكاهل والمتون، ويخالف الحدس والظنون، لا يستقيم له حال إلا ما ندر، ولا يكفي منه ما على الخاطر بدر، لا ينتهي إلى نقطة على السطر، ولا إلى صيغة تعجّب الباحث، ولا إلى علامة استفهام توقف الناقد، فجميعها لا تؤدي إلى المأمول منها في معرفة كنه العلاقة مع القرابة، ولا حد التعامل معها على ضوء معطيات وظروف الزمان في كل مكان تدب فيه الحياة؛ في البحار والأنهار وعلى أرض الله في الخيام والعشش والقصور، وعلى مر العصور وفي مختلف الأقطار والأمصار، فليس للنفس البشرية قرار على منهج واحد إلا من رحم الله وإلى الطريق السويّ هداه، في هدفه ومغزاه، في دينه ودنياه.
ومن هنا تكون حالة الأقارب: إما مقارب أو محارب أو مشارب.
فأقول وليس تعميماً: لا تخلو القرابة من الحرابة، مما يؤدي أحياناً إلى هدم البيت الواحد وخرابه؛ بسبب النفوس ضعيفة الإيمان، سليطة اللسان، مهتزة الكيان، ركيكة البيان، حقودة حسودة، بزمام التشفي مقودة، للحكمة فقودة، نواصيها بالشر معقودة، لا تستطيع رؤية القريب بسعادة ولا بعلو وريادة ولا بظهور وقيادة، إلا وتصب عليه القوي الشديد من المكر والكيد والشتم والتنديد، ومن التهم العديد، لتلبسه لباسه مقلوباً لتصل إلى المطلوب ولنفسها محبوب، من أكل لحم القريب وقطيعة الرحم المريب، وبالمقابل لا تستحي من التشبيب بالبعيد نكاية بالقريب، بوصفها لذاك البعيد بأوصاف الرجولة وإن لم تكن فيه، فهي ليست مسؤولة ولا من توجهها خجولة، لكون ميزان العقل عندها قد فقد مفعوله وزاوية الرؤية الصحيحة مقفولة.
وهم كثر في هذا الزمان ولله الأمر من قبل ومن بعد، فهل صمت الآذان وعميت الأبصار عما ورد في تحريم قطيعة الرحم في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؟ أم أنها لم تصل إليهم في وقت قرب فيه البعيد وتكلم الحديد على كل صعيد؟ ألم يسمعوا قول الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} الآية.
ولم يسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما اشتكى إليه رجل ظلم قرابته وعداوتهم له، فمن حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك” رواه مسلم.
ومن الشعر العربي الكثير والكثير في هذا الباب كقول طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً .. على النفس من وقع الحسام المهندِ
وقول عنترة بن شداد العبسي مشيراً إلى قسوة الأقارب وغدرهم:
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها .. عند التقلب في أنيابها العطب
وقول الشريف الرضي:
إذا أتتك من الرجال قوارص .. فسهام ذي القربى القريبة أجرح
ويقول الشاعر العربي:
من الناس من يغشى الأباعد نفعه .. ويشقى به حتى الممات أقاربه
فإن كان خيراً فالبعيد يناله .. وإن كان شراً فابن عمه صاحبه
وللشعر الشعبي باع طويل في ذلك كقول الشاعر سليمان مثري البلوي رحمه الله موجهاً لابنه حمود:
حرب البعيد يوحد الصف يا حمود .. بس البلا يا حمود حرب القرابة
اللابة اللي بينها الهرج موجود .. أشهد شهادة حق ما هي بلابة
هرج القفا بالناس عيب ومنقود .. كلمة وتكبر لين تصبح طلابة
إلى آخر الأبيات التي تدور حول الموضوع نفسه.
ومما قيل:
تجمعني القربى بناسٍ كثيرين .. وشتان ما بين القرابة بالأفعال
دنياي صارت بالتجارب ميادين .. من كثر ما واجهت من كل الأشكال
أحدٍ كلامه زين ومقابله شين .. في نظرته مع ضحكته ألف سؤال
وأحدٍ كلامه يشترى بالملايين .. فيه انسجامٍ بين فعله والأقوال
ثم بعد ذلك كله يبرز سؤال يصعب جوابه: ما هي مصلحة القريب عندما يشق عصا القرابة، سواءً كان من درجة القرابة الأولى أو الثانية أو حتى من العشيرة، وبدون سبب أو لسبب لا يحتم ذلك، أو للأسباب التي أشرت لها في ثنايا هذا المقال؟ فهل ضعفت العقول أو أن حياتهم وصلت حد الذبول ونجمهم اقترب من الأفول فاستخدمهم إبليس ليصل بهم إلى منزلة الذيول، وهم في غفلة ضمير وانحراف تفكير وسوء منقلب ومصير؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله، يا للهول فيما قلت وأقول، فبالرغم من وفرة وكثرة وسائل المعرفة والنصح والإرشاد، ووضوح طريق الرشاد، والتخويف من يوم التناد، إلا أن صراع الحق والباطل باقٍ إلى يوم المعاد، وطريق كل منهما مفتوح لكل سالك، سواءً من كان لنفسه مالك أو من أوردته نفسه المهالك، فمن أي الفريقين أنا وأنت؟ ممن ارعوى بعد ضياع وانصاع للحق خير انصياع، وفر بنفسه فراره من السبع، فبلغ ما رجا وبنفسه نجا، أو ممن غلبته نفسه الأمارة بالسوء والتي هي له عدو بالروحة والغدو، فضاع وهلك وضيع أغلى ما ملك.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وبصّر عقولنا ويسر أمورنا واشرح صدورنا وأعنا على طاعتك ووفقنا لرضاك يا رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.









