في زمن يتسارع فيه التواصل حتى أصبحنا نعيش داخل شاشاتنا، صار الصمت أقوى سلاح!!
تُترك الرسالة “مقروءة” لأيام، تُقطع المكالمات فجأة، تتجاهل شخصًا وهو جالس أمامك، أو تختفي تمامًا بعد علاقة أو صداقة، بلا رفض صريح ولا نقاش ولا حتى كلمة وداع، فقط صمت مدوٍّ..
هذه هي ثقافة الإعراض، ظاهرة حديثة تحولت إلى سلوك اجتماعي واسع الانتشار ولم تعد حالات فردية، بل أصبحت طريقة يتعامل بها البعض مع الآخرين، سواء في العالم الافتراضي أو في الواقع الحقيقي وهي أخطر مما تبدو، لأنها لا تقتل العلاقات فحسب، بل تقتل الثقة والأمان العاطفي ببطء.
الإعراض ليس رفضًا واضحًا بل تجاهل متعمّد، لا يوجد “لا أُريد”، مجرد صمت يترك الطرف الآخر يغرق في تساؤلات مؤلمة:
ماذا فعلت؟
هل أنا غير مهم؟
هل أنا سيء إلى هذا الحد؟
ماهي المشكلة؟!
هذا النوع من الرفض الصامت يُدمر الثقة بالنفس أكثر من أي رفض مباشر، لأنه يترك الباب مفتوحًا لأسوأ التأويلات.
وللأسف انتشرت هذه الثقافة لأسباب عدة: الخوف من المواجهة، والاعتقاد المغلوط بأن “الصمت يحميني من الدراما”، وأخيرًا التطبيع الاجتماعي، فعندما يرى الشخص أن مَن حوله يمارسون الإعراض بسهولة، يصبح السلوك “عاديًا” في نظره!
لكن هناك ثمن باهظ ندفعه جميعًا بسبب هذه الثقافة وهو ضعف نسيج المجتمع؛ كيف نبني “بالله عليكم” علاقات حقيقية إذا كان الإنسان يخشى أن يُعامل فجأة كأنه غير موجود؟
وكيف نحافظ على سلامنا النفسي إذا كان الصمت هو الرد الدائم على وجودنا؟
ومن هنا يأتي الموقف الإسلامي الواضح والعميق، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
الإعراض هنا ليس تجاهلًا عشوائيًا أو عقابًا صامتًا، بل هو أمر موجه للجاهلين فقط ومقترن بالعفو والأمر بالمعروف، أمّا أن يُصبح الإعراض أسلوب حياة عام، فهذا يتعارض مع روح الإسلام الذي يدعو إلى الصدق والمواجهة الطيبة والرحمة..
الخروج من هذه الثقافة يبدأ بخطوة بسيطة:
العودة إلى الصدق والشجاعة، ومن يتعرّض للإعراض له الحق في طلب توضيح مباشر، ومن يمارسه عليه أن يدرك أن الصمت ليس حلاً، بل هو جرح يتركه في قلب الآخر؛ والكلمة الصريحة – حتى لو كانت “لا” – أرحم بكثير من الصمت الطويل..
في النهاية، ثقافة الإعراض ليست مجرد أسلوب تواصل سيء، بل هي انعكاس لضعف داخلي وخوف من تحمل المسؤولية.
الإنسان لا يستحق أن يُعامل كـ”إشعار” يمكن تجاهله، يستحق أن يُعامل كإنسان.







