عمر الإنسان محدود وما فات منه مفقود وما بقي منه معدود وصائر لا محالة إلى النفاد ولا يعلم نفاده إلا الله دائم البقاء والوجود، فسبحان من أقسم إن الإنسان لربه لكنود، يرى النعم التي هو فيها ويجحد فضل المنعم ويشهد على نفسه بذلك، ومع شهادته على نفسه بالجحود يحب الخير ويطلب الزيادة، وربما غفل عن النهاية في خضم صراعه المرير للاستزادة مما يحب ويرى فيه الإفادة مع عدم الاكتراث بالجانب الآخر الذي عمي عليه عن النظر إليه، وربما فطن لذلك بعد فوات الأوان عندما يحس بعلامات الهوان وترنح القدمين وتصلب الشرايين وضعف البنان وزيادة الرجفان واستعراض ما مضى وكان، فعند ذلك يكفهر بوجهه ما بقي من الحياة ويرى أنه لم يحصل على مبتغاه وأنه غير مسرور بما قدمت يداه، وما كان مطيعاً له أصبح يعصاه، فالحياة تحيا مع حياة من أحياها وتموت قبل موت من أماتها.
إذاً الحياة بين حلوة خضرة نضرة ومرة علقمة خطرة، وبين هذه وتلك مراحل تمتزج بها الحلاوة بالمرارة أو تطغى إحداهما على الأخرى، ولكل إنسان ما قدّر له في حياته، قال الله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} الآية، في تعب وعناء وشقاء ومشقة ومكابدة للمصائب والشدائد والتعرض للأكدار والأهوال في طلب العيش ومطاردة الرزق وبذل الحال والمال والنفس والنفيس في سبيل الحصول على ما هو أصلاً مقدّر له الحصول عليه ولكنه مغيب عنه لحكمة يعلمها الله تعالى عالم كل شيء تحت سمائه وفوق أرضه.
قال الله سبحانه في محكم التنزيل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} الآية، والمعنى لو كان صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب لاتقى الشر والضرر وحصل على الخير والمنفعة وادخر من السنة المخصبة للسنة المجدبة ولأعد للأمور قبل أن تقع، ولربح بالبيع والشراء ولأدرك الغنى وأبعد عن الفقر، ولعرف الرجل الطيب من السيئ والسوي من العيي والوفي من الجحود، ولكن كل ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، وفي نفس السياق يقال أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عن قرائن تعرف من خلالها شيء مما هو في علم الغيب مما تحتاج إلى معرفته بالضرورة لتتقي الضرر وتحصل على ما ينفعك مما بينك وبين الناس فيقول: لن تعرف الرجل حتى تجاوره أو تسافر معه أو تتاجر معه أو تقرضه أو تقترض منه، ولا تغرنك دندنته بالقرآن أو كثرة صلاته وركوعه وسجوده.
إذاً حلاوة الحياة تذوقها الكثير من الناس منذ بدء الخلق وسيتذوقها الكثير أيضاً إلى قيام الساعة على تفاوت بينهم في مدتها وكنهها، فمنها حلاوة الإيمان وطاعة الله وفعل الواجبات والبعد عن المحرمات، والأمن والصحة والعيش والنصر والتوفيق والصلاح والبر والوصل والجدة والغنى والكرم والوفاء والولاء والثبات والعرفان وفعل الخير ورد الجميل وحسن الخلق وأداء الحقوق قبل ألا يكون درهم ولا دينار، وغيرها مما يجد الإنسان حلاوته عند حصوله عليه أو عندما يفعله هو بنفس راضية محتسبة.
وفي المقابل مرارة الحياة تحصل عندما تكون أفعال الإنسان وأحواله وأقواله بعكس ذلك كله أو بعضه، فالجزاء من جنس العمل وعدالة الله سبحانه مطلقة بين عباده، قال الله تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} الآية.
اعمل بخير الأعمال والأفعال وبأحسن الأخلاق والأقوال تحصل على حلاوة الحياة وتجد من الله تعالى وعنده خيراً مما عملت، وإن عملت بشر الأعمال والأفعال وبأسوأ الأخلاق والأقوال تحصل على مرارة الحياة ولا تجزى إلا بمثل ما عملت.
جعلنا الله تعالى ومن يقرأ ممن وفقهم الله تعالى لأحسن الأعمال والأقوال وتمتعوا بحلاوة الحياة وزينتها، وغفر ذنوبهم وستر عيوبهم ونفس كروبهم وأصلح أحوالهم وحقق آمالهم وبارك لهم في الأعمال والأموال والذراري.
اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيد المرسلين.






