أصبحنا في كثير من الأحيان نخلط بين فهم أسباب الخطأ وبين تبرير وقوعه حتى بات بعض الناس يتعامل مع الأسباب وكأنها مبررات تُسقط المسؤولية أو تخفف من جسامة الفعل. وبين السبب والتبرير فرقٌ كبير؛ فالسبب يفسر لنا لماذا وقع الخطأ
أما التبرير فيحاول أن يجعل الخطأ مقبولًا أو أقل استحقاقًا للمساءلة.
إن المجتمعات السليمة لا تتجاهل الأسباب بل تسعى إلى معالجتها والحد من آثارها لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بأن تتحول إلى أعذار تبرر السلوك الخاطئ أو تمنحه غطاءً أخلاقيًا.
فعندما يرتكب شخص جريمة شنيعة قد يقال إنه كان واقعًا تحت تأثير المخدرات أو الإدمان.
نعم قد يكون ذلك سببًا يفسر كيف وصل إلى هذه الحالة، لكنه لا يمكن أن يكون مبررًا للفعل ذاته
والأولى بالمجتمع أن يتصدى للسبب منذ بدايته وأن يحارب الإدمان ويعالج آثاره
قبل أن يتحول إلى ذريعة تُذكر بعد وقوع الكارثة.
وعندما يسرق أحدهم
قد يُقال إنه عاطل عن العمل أو يمر بظروف معيشية صعبة. وهذه ظروف تستحق الدراسة والمعالجة والدعم، لكنها لا تجعل السرقة سلوكًا مشروعًا. فالحل الحقيقي يكمن في معالجة أسباب البطالة والفقر، وتشجيع العمل والكسب المشروع
لا في تحويل الخطأ إلى أمر مفهوم أو مقبول لمجرد وجود سبب خلفه.
إن التساهل في التبرير يضعف حس المسؤولية ويجعل بعض السلوكيات الخاطئة أكثر انتشارًا حتى تضطر الأنظمة والقوانين إلى التدخل بعقوبات رادعة كان من الممكن تجنبها لو تمت معالجة الخطأ منذ بداياته في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع.
لسنا مطالبين بإدانة الناس دون فهم ظروفهم، كما أننا لسنا مطالبين بتبرير أخطائهم بحجة تلك الظروف.
فالعدل يقتضي أن نفهم الأسباب وأن نعالجها
وأن نحاسب على النتائج في الوقت نفسه.
ويبقى الفرق واضحًا
السبب يشرح لماذا حدث الفعل
أما التبرير فيحاول أن يمنح الخطأ شرعية لا يستحقها.
ولهذا قيل قديمًا (عذرٌ أقبح من ذنب )
حين يتحول العذر من تفسيرٍ للواقع إلى محاولةٍ لتزيين الخطأ أو التهوين من أثره.
وفي وطننا الغالي بفضل الله تتجلى هذه الرؤية بوضوح من خلال الجهود المستمرة في مكافحة الفساد بمختلف صوره وأشكاله وترسيخ مبادئ النزاهة والمساءلة وسيادة القانون.
فالدولة لا تكتفي بمعالجة نتائج الخطأ بعد وقوعه
بل تعمل على تجفيف منابعه والحد من أسبابه
إدراكًا منها أن بناء مجتمع قوي وآمن لا يتحقق بالتبرير والتغاضي وإنما بالوقاية والإصلاح والمحاسبة العادلة
وقد أسهم هذا النهج في تعزيز الوعي المجتمعي بأن وجود سبب للخطأ لا يعني قبوله أو التساهل معه وأن حماية المصالح العامة تتطلب الوقوف بحزم أمام كل سلوك يضر بالفرد أو المجتمع
مع السعي في الوقت ذاته إلى معالجة العوامل التي قد تؤدي إليه.

المشاهدات : 15622
التعليقات: 0







