تحدث الأستاذ عبدالله عبيد العويمري «أبو فايز» في أحد اللقاءات عن تجربته في العمل المجتمعي والمبادرات الإنسانية التي امتدت لنحو تسع سنوات في منطقة حائل، مستعرضًا محطات من مسيرته في دعم أبناء شهداء الواجب، ومساندة الشباب المقبلين على الزواج، وصولًا إلى توفير المياه المحلاة للمحتاجين في عدد من المحافظات والمراكز.
في منطقة حائل تبرز تجربة الأستاذ عبدالله عبيد العويمري «أبو فايز» بوصفها نموذجًا للعطاء الذي لم يرتبط بمناسبة أو موسم، بل امتد لسنوات وانتقل من مجال إلى آخر حتى أصبح العمل المجتمعي جزءًا أصيلًا من مسيرته.
بدأت الحكاية من موقف إنساني، ثم جاءت كلمة من رجل دولة وأمير ترك أثرًا عميقًا في نفسه.
يستعيد العويمري بداياته مع المبادرات المجتمعية منذ عهد الأمير الراحل سلطان بن عبدالعزيز – رحمه الله – حين بادر إلى دعم أبناء شهداء الواجب في الحد الجنوبي لمدة بلغت نحو 380 يومًا.
ووصلت المبادرة إلى الأمير سلطان – رحمه الله – الذي التقى بالعويمري ووجّه له وصية بقيت راسخة في ذاكرته: دعاء بالبركة في ماله وأبنائه، ونصيحة بأن يستثمر ماله فيما يرضي الله.
كانت تلك الكلمات بالنسبة للعويمري أكثر من مجرد كلمات عابرة، بل تحولت إلى منهج.
ومن هنا بدأ المال يأخذ معنى مختلفًا، لم يعد مجرد ما يملكه الإنسان، وإنما ما يستطيع أن يصنعه من أثر في حياة الآخرين.
من بناء الأسر إلى بناء أثر مجتمعي
حمل العويمري هذه الفكرة إلى منطقة حائل، فتقدم بطلب إلى أمير المنطقة آنذاك الأمير سعود بن عبدالمحسن لإقامة مبادرات مجتمعية، وحظي بالموافقة في ظل رعاية ومشاركة الأمير عبدالعزيز بن سعد الذي كان نائبًا لأمير المنطقة في ذلك الوقت.
وكان من ثمار تلك المرحلة إقامة مشروعي زواج جماعي استفاد منهما نحو 60 شابًا وفتاة في مبادرة هدفت إلى مساعدة الشباب على تأسيس أسرهم وتخفيف الأعباء عن كاهلهم في بداية حياتهم الزوجية.
لكن رحلة العطاء لم تتوقف عند ذلك.
فمع اتساع التجربة انتقل العويمري إلى احتياج آخر أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية: الماء.
36 مليون لتر.. عندما يصبح الماء عنوانًا للرحمة
من هنا جاء مشروع «العويمري للخير» للمياه المحلاة ليصبح أحد أبرز محطات مسيرته الإنسانية.
استهدفت المبادرة عددًا من المناطق والمحافظات التي تحتاج إلى توفير المياه، ومن بينها الغزالة والشملي والحائط، حيث تم توفير خزانات كبيرة بسعات تراوحت بين 16 ألفًا و32 ألف لتر، وبلغ عددها نحو 26 خزانًا.
وتُزوّد هذه الخزانات بالمياه المحلاة من تحلية الشملي لتصل المياه إلى المستفيدين في المناطق المحتاجة.
وخلال نحو تسع إلى عشر سنوات، بلغ إجمالي ما تم توزيعه – بحسب ما ذكره العويمري – قرابة 36 مليون لتر من المياه.
ستة وثلاثون مليون لتر.
رقم حين يُقرأ مجردًا قد يبدو إحصائية، لكنه حين يُترجم إلى حياة الناس يصبح قصة مختلفة: خزانات امتلأت، وأسر استفادت، ومناطق وصلتها المياه، وحاجة يومية تحولت إلى باب من أبواب الخير.
واللافت أن هذه المبادرات، وفق ما أوضحه العويمري، جاءت من ماله الخاص في صورة تجسد معنى المسؤولية الاجتماعية حين تتحول من شعار إلى ممارسة حقيقية.
أبو فايز: الخير لا ينبغي أن ينتظر أن يصل المحتاج إلى الجمعية
ولعل أكثر ما يميز تجربة العويمري أن رسالته لم تتوقف عند ما قدمه، بل امتدت إلى دعوة الآخرين للمشاركة في صناعة الأثر.
وفي ختام حديثه قدم شكره وتقديره إلى خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وإلى أمير منطقة حائل وسمو نائبه، مؤكدًا تقديره لما يحظى به المجتمع من دعم واهتمام.
ثم وجّه رسالة إلى رجال الأعمال وميسوري الحال دعاهم فيها إلى أن يوسعوا دائرة اهتمامهم وأن يتفقدوا أصحاب الحاجة من حولهم، سواء كانوا قريبين أو بعيدين.
فالإنسان – كما توحي تجربة العويمري – لا يحتاج دائمًا إلى انتظار طلب المساعدة، بل يستطيع أن يبحث بنفسه عن المحتاج.
فربما كان المحتاج أقرب مما نتصور.
وقد تكون هناك أسرة في الحي، أو قريب لا يستطيع البوح بحاجته، أو إنسان يعيش ظروفًا صعبة ولا يعرف كيف الوصول للجمعيات.
ومن هنا تأتي أهمية التكافل المجتمعي، فالجمعيات تقوم بدور عظيم، لكن المجتمع بأفراده ورجال أعماله وميسوري الحال يستطيع أن يكون شريكًا مباشرًا إلى شرائح قد لا تصل إليها الخدمات بسهولة.
العويمري.. حين يصبح المال أمانة والأثر إرثًا
تختصر تجربة «العويمري للخير» مفهومًا عميقًا للعطاء:
أن تمتلك القدرة على الخير شيء، وأن تجعل الخير مستمرًا شيء آخر.
فمن دعم أبناء شهداء الواجب إلى مساعدة الشباب على الزواج إلى توفير المياه للمحتاجين، تتوالى المبادرات لتشكل مسيرة واحدة عنوانها الإنسان.
وفي زمن أصبحت فيه المسؤولية الاجتماعية أحد مقومات التنمية المستدامة، تأتي مثل هذه التجارب لتؤكد أن المبادرات الفردية قادرة على صناعة أثر حقيقي حين تقوم على الاستمرارية والإخلاص والشعور بالمسؤولية.
ولعل أجمل ما تختصر به قصة «أبو فايز» أن المال قد ينتهي، والمشاريع قد تتغير، والمناسبات تمضي، لكن أثر الخير يبقى.
36 مليون لتر من المياه لم تكن مجرد مياه وصلت إلى المحتاجين، بل 36 مليون لتر تحمل معها معنى العطاء والرحمة والتكافل.
وهكذا يصبح «العويمري للخير» أكثر من اسم لمبادرة، يصبح حكاية وفاء للمجتمع ورسالة بأن الخير حين يخرج من القلب يجد طريقه إلى الناس.
عبدالله عبيد العويمري
«أبو فايز».. رجل اختار أن يجعل من نعمته نفعًا ومن ماله أثرًا، ومن العطاء رسالة لا تنتهي.







