حياتنا عبارة عن مراحل نمر بها، وكل مرحلة من مراحلها تكون لدينا فيها أفكار وقناعات ومعتقدات نتبناها، ولكننا سرعان ما نتغير، حتى لو ظننا بأننا ثابتون.
وهذا التغيّر لا يعني أن نفقد ثوابتنا ومبادئنا، بل يعني أننا بشر جُبلنا على التغيّر؛ فهي سنة الله في كونه. وأقصد بذلك تطور ونمو الإنسان فكريًا ونفسيًا وجسديًا، وتبقى الروح هي الأصل، التي تتأثر بأعمالنا؛ فإما أن ترتقي، أو تتراجع وتنطفئ.
عندما نتجاوز مرحلة الصبر، تتبلور كل المعاني والمعتقدات الفكرية التي كنا نعتنقها، وتخاطبنا حينها الذات، لتجعلنا نقف في لحظة حسم صارم، ترتعد فيها قلوبنا؛ فلا مجال للتبرير، ولا حتى للمراوغة النفسية، كحيلة طفل يريد لعبته التي اعتاد عليها بلا عقاب.
وفي ساعة لم تكن في الحسبان، أُخذ منه ما اعتاد عليه، جاهلًا أن هناك قانونًا لا بقاء فيه.
سندرك في هذه الساعة أن للصبر حدودًا.
وعندما نتجاوزه، وهنا يأتي الفرج الذي وعد به الله عباده الصابرين، أراه القرار الذي لا بد منه، والقرار هو العمل.
كنت أناقش نفسي: ما هو العمل؟
فخطرت لي هذه الآية العظيمة في كتاب الله الكريم:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[التوبة: 105]
ما علاقة هذا بهذا؟!
إنه ترابط ومنظومة إنسان كامل يعيش الحياة، فيجد نفسه قد تجاوز الصبر في لحظة إدراك…
ثم تبسّم ضاحكًا على موقف إنسان يعارك في هذه الحياة، لعله يجد له كرسيًا في مقاعد الطرقات التي يمر بها.
والمضحك أنه وجد مبتغاه، وجلس واستراح، وظل يأمر وينهى، وهذه المرة تناسى، غافلًا، قانونًا لا بقاء.
يا له من ظالمٍ جاهلٍ مختالٍ، هذا الإنسان!
قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾
[الأحزاب: 72]
لا شيء هنا، في هذه الحياة، يستحق البقاء سوى العبادة من أجل الحياة الخالدة في السماء.
قال ابن القيم الجوزية: “الحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله وللرسول ظاهرًا وباطنًا؛ فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا.”
البقاء لله وحده، ونحن راحلون؛ فاصنع لك أثرًا طيبًا وعملًا صالحًا عند الباقي الذي لا يموت







