ما قيمةُ المرءِ إلا طيبُ جوهره
لا ما حواهُ من الأموالِ والحسبِ
من عاشَ صفرًا من الأخلاقِ والأدبِ
يحيا فقيرًا ولو يمشي على الذهبِ
— علي بن أبي طالب رضي الله عنه
عندما يكتب الإنسان، فإن الكاتب يخطّ بقلمه قيمًا ومبادئ يحملها فكره ونفسه؛
بمعنى أنه يعلن عن جوهره ومكنوناته الداخلية،
التي ستظهر حتمًا في كلماته وإسقاطاته،
وفي الموضوع الذي يتناوله ويُسلّط الضوء عليه.
ليس بالضرورة أن يكون الكاتب سابقًا لفكرته،
بل ربما كانت فكرته نتاج إلهامٍ لحدث،
أو لكلمة قُرئت أو سُمعت،
أو لنقاش دار بينه وبين الآخرين،
صديقًا كان أو مجموعة من المفكرين والأدباء والمثقفين.
لكن الجديد حقًا
هو كيف يتناول هذه الفكرة أو الموضوع بطريقته هو،
لا بطريقة غيره،
وبنبض قلمه هو، لا بنبض سواه.
فالتحرر من سطوة الكلمة التي مرّت به وتأثر بها
أمر يحتاج تركيزًا وإدراكًا عاليين من الكاتب،
لتظهر روحه وفكره،
وذلك الإحساس بالكلمة كمصداقية بينه وبين ذاته أولًا،
وبينه وبين الآخر ثانيًا.
هكذا هو خُلُق الكاتب الذي يحمل إنسانية وأمانة أدبية وفكرية، لا العكس.
ومن المؤسف أن تجد كاتبًا لا يستطيع التحرر من سطوة كلمات تأثر بها،
بل تجده قد تغيّر نبضه وروحه السابقة،
حتى بات نصه وما يكتبه نسخة من أقلام غيره،
أو ربما من قلمٍ نال إعجابه.
زهايمر بعض الكُتّاب؛ فقدوا ذاكرة أقلامهم.
إنها عِلّة وآفة أدبية لا فكاك منها،
سنجدها في كل مكان وزمان،
وهي تمثّل حقيقة وخُلُق القلم الذي كتب به الإنسان.
ستجدهم يتسابقون كثيرًا،
هؤلاء لصوص الكلمة،
وتفضحهم المواقف،
حينها تقف وقفة متأمل،
وتسأل:
لماذا؟
ما الذي أجبرهم؟
ألم يمنحهم الله عقولًا؟
ألا يخجلون؟
ثم لا تلبث إلا قليلًا،
وفي لحظة عابرة،
يُلقى طُعمٌ من أحدهم،
فيتلقفونه مسرعين بلا تفكير،
لتجدهم يقفون أمامك وأمام الجميع مُبرّرين،
يشرحون بعجز، دون أن يُطلب منهم تبريرًا.
تتبسّم رحمةً وتقول:
الصمت خير.
لا تبرّروا سوء تصرّفاتكم،
فإنها مُخجلة…
يا لسوء ما تحملون.
إن الكاتب المبدع، الجيد، الصادق، الأمين،
ليس من يأتي بفكرة جديدة،
بل من يُطوّع ما هو موجود بروح جديدة،
ونبض مختلف يُشبهه هو،
وبمصداقية متناهية تخصّه وحده، لا تخص غيره.
وهنا فقط
سيجد نفسه قد نجح…
نجاحًا يستحقه،
لا سلّم نجاح الآخرين.
فالكاتب الذي يكون نسخة مكررة
يفقد رونقه عند أول محطة،
يتبدّل فيها حال أقلام غيره،
فيظل مرتديًا ثيابًا لا تليق به ،
لعلّه يجد ذاته
التي ضاعت مع الجميع.
وأختم قائلة:
” القلم رسالة وأمانة، فكن إنسان أمين ”
ماجدة الشريف






