في أمسية لم تبدأ بالكلمات وحدها بل تركت للمسرح أن يقدم نفسه أولًا استهل نادي الفنتور المسرحي ندوته الثقافية «فن بناء النص المسرحي وأثره على المسرح الحديث» بعرض مسرحي بعنوان «الإطلال » ليكون العرض افتتاحية فنية مهدت للحوار وجعلت خشبة المسرح مدخلًا حيًا للحديث عن النص وصناعته وأثره.
وأقيمت الندوة مساء الأربعاء 26 أغسطس 2026م بالتزامن مع تدشين الهوية الجديدة لنادي الفنتور المسرحي وسط حضور من المهتمين بالمسرح والأدب والثقافة.
وعقب العرض بدأ الأستاذ إبراهيم الدوسري المخرج والكاتب المسرحي وعضو الجمعية العمومية للثقافة والفنون حواره مع ضيفة الأمسية الدكتورة أديم الأنصاري أستاذ مساعد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن والشاعرة والأديبة في حوار ثري تنقل بين التجربة الشخصية وصناعة النص وقضايا المسرح وواقعه ومستقبله.
من الشعر إلى المسرح.. كيف يكتشف الكاتب نفسه؟
تحدثت الدكتورة أديم الأنصاري عن تجربتها مع الكتابة وكيف يكتشف الإنسان نفسه ككاتب مستعرضة علاقتها بالشعر والفكرة والتأليف واللحظة التي دفعتها إلى الاقتراب من المسرح وخوض تجربة الكتابة له.
ولفتت خلال حديثها إلى العلاقة القديمة بين الشعر والمسرح وأن المسرح في جذوره ارتبط بالشعر وهو ما أثار لديها الرغبة في التجربة والانتقال الى المسرح .
ولم يكن الحديث عن الكتابة بوصفها حرفة فقط بل عن ذلك الشغف الداخلي الذي يقود المبدع إلى فنه حيث برزت خلال الحوار رسالة جميلة مفادها أن على الإنسان أن يحب الفن الكامن في داخله وأن يكون صادقًا مع تجربته لأن «ما يخرج من القلب يصل إلى القلب».
المسرح لا ينفصل عن الواقع
وتناول الحوار مسؤولية الكاتب المسرحي تجاه مجتمعه وأهمية ألا يعيش النص بعيدًا عن قضايا الناس بل أن ينطلق من واقعهم ويلامس تفاصيل حياتهم وهمومهم وتطلعاتهم.
وأكد النقاش أن نجاح العمل لا يتوقف عند جودة النص أو الإخراج وإنما في قدرته على الوصول إلى الجمهور وملامسته فالمسرح مرآة للواقع ومساحة لطرح الأسئلة والقضايا المؤثرة وعلى المؤلف أن يكون واعيًا بما يدور في مجتمعه وقادرًا على تحويله إلى عمل فني مؤثر.
كما تناولت الأمسية المسرح الأدبي والمسرح الترفيهي وإقبال الجمهور على كل منهماوأهمية تحقيق التوازن بين القيمة الفنية والمتعة التي يبحث عنها المتلقي.
لماذا نعاني من قلة النصوص المسرحية؟
ومن أبرز المحاور التي شهدت نقاشًا قضية قلة النصوص والتأليف المسرحي والتساؤل عن الأسباب التي تجعل الكتابة للمسرح أقل حضورًا من بعض الأجناس الأدبية الأخرى.
وأوضح الحوار أن المسرح فن صعب ومركب ولا يكفي لكتابته امتلاك اللغة وحدها فالنص المسرحي يحتاج إلى فهم الخشبة والحوار والشخصيات والحركة والإيقاع وقدرة الكاتب على تخيل ما يكتبه حيًا أمام الجمهور.
كما طُرحت قضية الدعم المالي للمسرح بوصفها إحدى المسائل المؤثرة في استمرار الأعمال المسرحية وتطورها فصناعة العرض تحتاج إلى منظومة متكاملة من التأليف والإخراج والتمثيل والإنتاج والدعم.
مسرح الطفل.. كيف نصنع رسالة تربوية ؟
وكان مسرح الطفل حاضرًا ضمن أسئلة ومداخلات الحضور من خلال طرح تساؤل حول دوره في تقويم السلوك وكيف يمكن للكاتب أن يقدم رسائل مدروسة للطفل بعيدًا عن المباشرة والوعظ.
وفتح السؤال مساحة للحديث عن أهمية بناء نصوص مسرحية تحترم عقل الطفل وتجمع بين المتعة والقيمة بحيث لا يشعر الطفل بأنه أمام درس، وإنما يعيش تجربة فنية تصل رسالتها إليه بصورة طبيعية وتبقى في ذاكرته.
المرأة السعودية وعلاقتها بالمسرح؟
وتطرق الحوار كذلك إلى المرأة السعودية وعلاقتها بالمسرح وما واجه حضورها في مراحل مختلفة من تحديات وظروف اجتماعية وخجل ربما أسهم في جعل صوتها المسرحي أكثر خفوتًا رغم وجود كاتبات وتجارب نسائية جديرة بالحضور والاهتمام.
كما قدمت الدكتورة أديم الأنصاري عددًا من النصائح للمبتدئات والراغبات في دخول عالم الكتابة والمسرح مؤكدة أهمية التجربة والإيمان بالفكرة والاستمرار في التطوير وعدم الخوف من البدايات.
من «الأطلال» إلى هوية جديدة
واختتمت الأمسية بمداخلات وأسئلة الحضور التي أضفت على اللقاء مزيدًا من التفاعل ووسعت دائرة الحوار حول التأليف والإخراج ومسرح الطفل ومستقبل النص المسرحي.
حماية حقوق الكاتب.. الإبداع يحتاج إلى وعي قانوني
ومن المداخلات اللافتة والمهمة خلال الأمسية مداخلة أ. عائشة العجيل التي سلطت الضوء على جانب لا يقل أهمية عن صناعة النص ذاته وهو حفظ الحقوق الفكرية والقانونية للكاتب.
وأكدت في مداخلتها ضرورة أن يحرص الكاتب على حماية أعماله وتوثيق حقوقه بما يحفظ نتاجه الفكري من السرقة أو الاحتيال وألا يتهاون في الجانب القانوني المصاحب للعمل الإبداعي مشيرة إلى أهمية الاستعانة بمحامٍ أو مختص قانوني عند الحاجة لضمان حفظ الحقوق ومعرفة الإجراءات القانونية الصحيحة.
كما شهدت الأمسية تدشين الهوية الجديدة لنادي الفنتور المسرحي واختُتمت بتقطيع كعكة المناسبة وشكر الضيفة والحضور في مشهد احتفالي حمل دلالة جميلة على بداية فصل جديد في مسيرة النادي.
وتثمن صحيفة الشمال الإلكترونية جهود نادي الفنتور المسرحي في صناعة مثل هذه اللقاءات الثقافية التي لا تكتفي بالحديث عن المسرح، بل تمنحه مساحة ليُشاهد ويُناقش ويُفهم، وتسهم في دعم الكتّاب والمواهب وإثراء الحراك الثقافي والمسرحي.
فالمسرح الذي بدأ به اللقاء لم يكن مجرد افتتاحية للأمسية بل كان أفضل مدخل للحديث عن النص حين تسبق الخشبة الكلام ثم يأتي الحوار ليكشف ما وراء الستار.



,








