تنسكب الحياة بين أصابع الزمن كحفنة رمل، يركض البشر في دروبها المتشعبة، تختلف طبقاتهم الاجتماعية، وتتباين مشاربهم الثقافية، وتتفاوت مستوياتهم الفكرية، لكنهم في نهاية المطاف يعبرون؛ يلوحون للحياة من قطار العمر السريع ويمضون. غير أن هذا العبور لا يتشابه لدى الجميع؛ فالأخيار، الأنقياء، والطيبون يرحلون في صمت بليغ، يغادرون دنيانا بخفة النسمة العابرة في ليلة صيفية، لا يتركون خلفهم ضجيجاً مزعجاً، بل يتركون فراغاً موجعاً يملأ المدى، ويصبغ ملامحنا بمسحة من حزن مقيم، تتغذى عليه قلوبنا كلما مرّ بنا شريط الأخبار التعيسة، من وطأة مرضٍ ينهك الأجساد، أو رحيلٍ مفاجئ يسرق منا من نحب.
وسط هذا الركام من مشاعر الفقد والإساءة الوجدانية التي تخلفها الأيام، تبرز من قلب الأرض حكاية وفاء صامتة، صاغتها يد إنسان غرس ذات يوم شجرة. لم تكن مجرد نبتة صغيرة ألقى بها في التراب ومضى، بل كانت وداً مستودعاً، وأملاً ينمو يوماً بعد يوم، حتى استوت على سوقها، شجرة كبيرة، كثيفة الأغصان، وارفة الظلال، ذات منظر خلاق يأسر الألباب. غدت ملاذاً آمناً يستظل به الإنسان الهارب من هجير الحياة، والحيوان الباحث عن سكينة، والنوازل العابرة. إنها الصداقة الأزلية بين الإنسان والشجر والنخل؛ تلك الكائنات الخضراء التي تبث في الروح شعوراً عميقاً بالأمان، وتذكرنا بأن الأرض حية، وأنها ترد التحية بمثلها.
عجيب هو أمر هذه الكائنات؛ حتى الشجر يحزن على رحيل أصحابه. تنكسر غصونها كمداً، وتهتز أوراقها لوعة حين تفتقد تلك اليد الحانية التي كانت تسقيها وتتعهدها بالرعاية. لكنها، ورغم الحزن، تظل واقفة، صامدة في وجه العواصف العاتية والتقلبات الجوية التي تطرأ عليها، تماماً كأصحاب المبادئ الذين لا تزلزلهم عواصف الابتلاءات.
إن هذا الصمود ليس مجرد بقاء نباتي، بل هو استمرار لرسالة صاحبها الذي رحل.
يتجلى هذا العطاء الممتد في أبهى صوره حين يمتد فكر الإنسان لبناء غدٍ أفضل لأسرته، فينشئ مزرعة تنبض بالحياة؛ يربى فيها الدجاج، ويزرع فيها الخيرات، ليتدفق منها مصدر دخل ورزق وفير يفيض على من حوله. فما أجمل وأعظم أن يترك الآباء لأولادهم رزقاً حلالاً ينفعهم للمستقبل، ويحميهم من تقلبات الأيام ذات يوم، ليكون ذلك الرزق امتداداً لخير قديم، وشاهداً على حكمة وعين ترعى مصلحة الأبناء حتى بعد غياب الجسد.
إن النصيحة الأزلية التي تهمس بها أغصان الشجر الصامدة لكل عابر على هذه البسيطة هي: “ازرعوا ما تريدون بها على الأرض”. فالأرض مستودع أمين لا يضيع لديه مثقال ذرة من خير. وإذا كان الشجر يثمر فاكهة وظلاً، فإن أثر الإنسان الحقيقي يكمن في غراس من نوع آخر؛ غراس لا تذروه الرياح ولا تبدد الأيام شذاه. ازرعوا السمعة الحسنة، واغرسوا الأخلاق الطيبة في نفوس من حولكم. فالأجساد ترحل، والمزارع قد تتغير أحوالها، لكن الذكر الطيب والسمعة الطاهرة هما الغراس الحقيقي والرزق الباقي الذي لا يموت، يفوح عبيره في الدنيا، ويبقى ظله ممتداً لصاحبه في الآخرة.
المشاهدات : 14600
التعليقات: 0







