يقضي الإنسان جزءًا كبيرًا من حياته وهو يحاول حماية نفسه من الألم فيتجنب التجارب التي قد تفشله والمشاعر التي قد تجرحه .. والقرارات التي قد تغيّر حياته..لكنه لا يدرك أحيانًا أن ما يعتقد أنه حماية للنفس قد يكون في الحقيقة انسحابًا من الحياة نفسها.
لقد ترسخت في أذهاننا فكرة أن المعاناة خلل يجب إصلاحه .. وأن السعادة لا تتحقق إلا بغياب الألم .. لكن الحياة لم تُصمم لتكون خالية من التحديات بل إن التحديات هي التي تصنع وعينا وتكشف قدراتنا وتعيد تشكيل فهمنا لأنفسنا وللعالم.
المعاناة ليست دائمًا عدوًا .. بل قد تكون معلمًا قاسيًا لكنه صادق ..فهي تهدم الصور القديمة التي نحملها عن أنفسنا .. وتدفعنا إلى النمو بطرق لم نكن لنختارها بإرادتنا.. فكثيرًا ما نكتشف قوتنا بعد انكسار .. ونفهم معنى الحياة بعد فقد.. ونصل إلى النضج بعد معاناة.
والمفارقة أن جزءًا كبيرًا من آلامنا لا يأتي من الأحداث نفسها .. بل من مقاومتنا لها.. فكلما أصررنا على رفض الواقع.. ازداد صراعنا الداخلي.. أما التقبل .. فلا يعني الاستسلام بل يعني أن نواجه ما هو موجود بوعي .. وأن نتعلم كيف نتعايش معه بدل أن نستنزف أنفسنا في مقاومته.
ربما لا تكون المعاناة نقيض الحياة .. بل إحدى لغاتها العميقة.. وما يبدو لنا أحيانًا هدمًا .. قد يكون في الحقيقة بداية بناء جديد يكشف لنا حقيقة أنفسنا بصورة أكثر وعيًا ونضجًا.
بقلم
وفاء الأسمري







