إنتبه أن تُجَوِّع أبناءك حبًّا… فيضطروا أن يأكلوا من مزبلة العلاقات
ليست كل أنواع الجوع تُرى بالعين.
فبعض الأطفال ينامون على أسرّة دافئة، ويلبسون أجمل الثياب، ويدرسون في أفضل المدارس، وتُوفَّر لهم كل احتياجات الحياة… لكنهم في أعماقهم يتضورون جوعًا.
جوعًا إلى الحب.
جوعًا إلى الاحتضان.
جوعًا إلى كلمة: “أنا فخور بك”.
جوعًا إلى نظرة اهتمام تقول: “أنت مهم في حياتي”.
– إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، بل فقر المشاعر.
– فالطفل الذي لا يجد الحب في بيته، سيبحث عنه خارجه.
-والمراهق الذي لا يجد التقدير من والديه، سيبحث عمن يقدره ولو كان شخصًا لا يستحق ثقته.
-والفتاة التي لم تسمع كلمات الحنان في منزلها، قد تذوب أمام أول كلمات إعجاب تسمعها من غريب.
-والشاب الذي لم يشعر بقيمته بين أهله، قد يتعلق بأي علاقة تمنحه شعورًا مؤقتًا بالقبول والانتماء.
وهنا تبدأ المأساة.
ليس لأن أبناءنا سيبحثون عن الحب، فالبحث عن الحب حاجة إنسانية فطرية.
لكن لأن الجائع لا يختار طعامه بعناية.
فمن اشتد به الجوع قد يأكل أي شيء.
حتى لو كان ملوثًا.
حتى لو كان مؤذيًا.
حتى لو كان من مزبلة العلاقات.
كم من شاب دخل صداقات سامة لأنه كان يبحث عن الانتماء.
وكم من فتاة وقعت في علاقات مؤذية لأنها كانت تبحث عن الاحتواء.
وكم من إبن أو إبنة أصبح فريسة للتلاعب والاستغلال لأنه كان يبحث عن كلمة حب أفتقدها في بيته.
إن الفراغ العاطفي لا يبقى فارغًا.
إما أن يملأه الأهل بالحب الصحيح…
أو تملؤه الحياة بالبدائل الخاطئة.
لا يكفي أن توفر لأبنائك الطعام والشراب والتعليم.
فهذه احتياجات مهمة، لكنها لا تصنع وحدها إنسانًا متوازنًا.
أبناؤك يحتاجون إلى وقتك أكثر من بعض أموالك.
ويحتاجون إلى إنصاتك أكثر من محاضراتك.
ويحتاجون إلى قربك أكثر من هداياك.
أحيانًا تكون عشر دقائق من الإهتمام الصادق أغلى عند الطفل من لعبة باهظة الثمن.
وأحيانًا تكون كلمة تشجيع واحدة سببًا في بناء شخصية واثقة طوال العمر.
إن أبناءك لا يتذكرون كل ما أشتريته لهم.
لكنهم يتذكرون كيف جعلتهم يشعرون.
يتذكرون من كان يستمع إليهم.
ومن كان يصدق أحلامهم.
ومن كان يربت على أكتافهم عندما أخفقوا.
ومن أحتضنهم عندما أنكسروا.
فإحذر أن تنشغل ببناء مستقبلك المادي وتنسى بناء عالمهم العاطفي.
إحذر أن تمنحهم كل شيء إلا نفسك.
إحذر أن يكون هاتفك أقرب إليك منهم.
وإحذر أن يأتي يوم تكتشف فيه أن شخصًا غريبًا يعرف عن إبنك أو إبنتك أكثر مما تعرف أنت.
أغدقوا على أبنائكم حبًا.
وأشبعوهم تقديرًا.
وأكثروا من احتضانهم.
وأصغوا لحديثهم مهما بدا بسيطًا.
وأخبروهم كل يوم أنهم محبوبون.
فإن القلب الذي يشبع حبًا داخل بيته…
لا يضطر للبحث عن بقايا المشاعر في مزابل العلاقات.
وإن أعظم هدية يمكن أن تقدمها لإبنك أو إبنتك ليست المال، ولا العقار، ولا الشهادة…
بل قلبٌ آمنٌ يعرف يقينًا أنه محبوب، ومقبول، ومُقدَّر.
عندها فقط يخرج إلى الحياة قويًا، ثابتًا، لا يبيع نفسه لأول عابر طريق، ولا يستجدي الحب من الغرباء.
إنتبه…
فالأبناء الذين يجوعون عاطفيًا اليوم، قد يدفعون ثمن ذلك سنوات طويلة من أعمارهم.
✍️المستشار
عبدالعزيز القعيد







