كان أهل مكة قديمًا يتهيّأون لليوم الثامن من ذي الحجة، يوم التروية، فيجعلون اليوم السابع يومًا للزِّينة والاستعداد؛ فيزيّنون رحالهم ويُعِدّون الهودج للسفر.
والهودج هو محملٌ أو غرفة خشبية صغيرة تُوضَع على ظهر الجمل، وتُغطّى بالقماش أو الجلود لتبدو كخيمة صغيرة مظلّلة، توفّر الستر والراحة والحماية من حرارة الشمس والرياح أثناء الترحال، لا سيّما للنساء والمسافرين. وقد عُرف أيضًا في بعض الثقافات الأخرى، كالثقافة الهندية، حيث استُخدم على ظهور الأفيال.
وكان الهودج في كثير من الأحيان يعكس مكانة أصحابه الاجتماعية؛ إذ يعتني الأثرياء بزخرفته وتجميله، فتُعرَف من خلاله طبقات الناس ومقاماتهم، كما قد يُستدلّ اليوم على ذلك من أنواع السيارات وفئاتها المختلفة.
وهناك نوعٌ آخر من الهوادج يكون مكشوفًا غير مظلّل، يُستخدم بحسب الحاجة وطبيعة السفر.
وقد اشتهر الهودج في التراث العربي، فكان وسيلةً للتنقّل في الرحلات، ويُستخدم أيضًا في نقل العرائس في حفلات الزفاف، حتى ارتبط في الوجدان العربي بالمرأة نفسها، فكانت المرأة التي تُسافر في الهودج تُسمّى الظعينة.
والظعينة في اللغة هي المرأة التي تركب الهودج على ظهر الجمل، وأصل الكلمة من الظَّعن، وهو الارتحال والسفر.
وقد تكرّرت هذه الكلمة كثيرًا في الشعر العربي، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته ألا هُبّي بصحنك فاصبحينا:
قِفي قبلَ التفرُّقِ يا ظَعِينَا
نُخبِّركِ اليقينَ وتُخبرِينَا
فكأنّ يوم الزِّينة لم يكن مجرّد إعدادٍ للرحلة، بل كان أيضًا جمالَ الاستعداد للسير إلى أعظم رحلة؛ رحلة تلبية نداء الله، لحج بيته العتيق .
قال الله تعالى:
﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
(سورة الحج، الآية 27)
د









